Menu Close

نشرة كنيستي- أحد الابن الشَّاطر- العدد 7

الأحد 16 شباط 2020

كلمة الرَّاعي

حرّيّة الاستعباد وعبوديّة التّحرير

لماذا نعيش في هذا العالم: أليس لكي نتمتّع بما فيه؟ أليس لكي نقتني السّعادة من خلاله؟ أليس لكي نكتشف ما فيه من ملذّات وأطايب ونتعاطاها؟ … هذه الأسئلة وغيرها يطرحها الفكر، في هذا العصر المادّيّ، على الإنسان ليدفعه إلى فهم معيَّن لغاية وجوده ومعنى ما وُهِبَه من إمكانيَّات في هذ العالم، فيقوده إلى إجابات تُحَدِّد خياراته في الحياة … هذا المنطق مبنيّ على الفلسفات الّتي تنظر إلى الإنسان من خلال طبيعته/مادّته إنطلاقًا من المُسلَّمة أنّ المادّة/الطّبيعة تسبق وجود الإنسان، وبالتّالي الإنسان يخضع لحتميّات وآليّات صادرة عن القوانين الّتي تحكم الطّبيعة وضرورات الحياة العضويّة، وكأنّ الإنسان مجبور على السّيْر في الطّريق الّذي تُحدِّده له حاجاته الجسديّة والنَّفسيّة الّتي ليس له دور كبير في تكوّنها فيه وتكوّنه منها …

الحقيقة الإنسانيّة تتخطّى الطّبيعة المادّيّة الجسديّة، وهذا يُعبَّر عنه من خلال مظاهر متعدِّدة تتعلَّق بخيارات الإنسان وإبداعاته في  الحضارة والفلسفة والتّعليم الأخلاقيّ وتمييز الجمال والتّطوّر العلميّ … إلى اكتشاف ذاته في توقه إلى ما أو مَن هو أعظم منه … عقل الإنسان وبحثه عن العِلَل الأولى لكلّ موجود يقوده إلى ما هو أبعد من الوجود … إلى الله …

*             *             *

الابن الشّاطر، الّذي تذكّرنا به الكنيسة المُقدَّسة، في هذه المَسيرة التَّحضيريّة للصّوم الكبير، رمز لكلّ من اعتقد أنّ حياته تتحقَّق إذا ما تبع حاجات مكوِّنات طبيعته الجسدانيّة المُولِّدة اللَّذّة النّفسيّة ليقتني السّعادة. السّعادة وَهْمُ الجسدانيّين، أي الَّذين يطلبون ما في العالم وله، لأنّ كلّ ما يقزّم حقيقة الإنسان يستحيل أن يكون مَصدرًا للرِّضى والرَّاحة الدّاخليّة الكيانيّة. ليست السَّعادة، في مفهوم العالم المادّيّ، سِوى لُحَيْظات ارتعاشٍ بكلّ ما يُدغدغ الجسد والنّفس … ولعمري إنّ هذا ”باطل الأباطيل وقَبضُ الرِّيح“ (سفر  الجامعة 1 و2).

خبرة الابن الأصغر، في مثل الابن الشّاطر، قادته إلى يَقين أنّ اقتناء السّعادة بسلطة المال واللَّذة خدعة كبرى، لأنّ السّعادة لا تُقتَنى خارج الحبّ الأمين الّذي لا يتخلَّى عن المحبوب، وإن شرد بعيدًا وتغرَّب … هذا ما كان يعرفه الابن الّذي شرد عن ذاته في طلب ملذّاته، ولذلك، لمّا ”حزّت المَحزوزيّة“ عاد تلقائيًّا إلى نفسه وعرف، بدون أي تردُّد أو شكّ، أنّ لا رجاء له سوى في بيت أبيه، الّذي خان هذا الابن محبّته …

*             *             *

رحمة الله لا حدود لها على التّائب، إذ كما يقول آباؤنا: ”لا خطيئة بدون مغفرة إلّا الّتي بدون توبة“. لكن، التّوبة ليست أمرًا مُمْكِنًا طالما لم يَزَل الإنسان في كَرامَةٍ أمام ذاته. يكذب الإنسان على نفسه إذ يُبرِّر خطاياه مُوجدًا لها أسبابًا إمّا تتعلّق بضعف الطّبيعة أو بالآخَرين. ما حجّة الابن الشّاطر ليترك البيت الأبويّ؟ إنّها حرّيّته الشّخصيّة الّتي هي الأهمّ بالنّسبة إليه. لكن أيّة حرّيّة؟! … كما الابن الضّال، كذلك مُعظم البشر يرون في المحبّة قيدًا يحدُّ من انقيادهم لمشيئتهم الخاصّة. المسألة هي أنّ المحبّة هي الّتي تحرِّر وليس صنع المشيئة الذّاتيّة. التّوبة هي أن يتوب الإنسان عن نفسه أي أن يرجع عن التَّمسُّك بها كمحور ومركز لوجوده ويعرف أنّ إنسانيّته وفرحه يتحقَّقان في الحبّ الّذي موضوعه الآخَر وليس الذّات. لكن، ليلج الإنسان إلى سرّ الحبّ الحقيقيّ عليه أن يتقبّله عطيّة من عند العَليّ، لأنّ الحبّ الإلهيّ ينسكب على طالبيه إذ ما اتّضعوا وعرفوا أنّهم لا يستحقّونه.

*             *             *

أيّها الأحبّاء، الإنسان كائن شركويّ لا يمكنه أن يفرح ويبتهج حقًّا ما لم يُحِبّ ويُحَبّ. من هنا، الشّهوة وَهْمُ حبٍّ وأنانيّة مُحقَّقة في الاستهلاك. الاستهلاك جوهر حياة السّقوط والغربة عن الله والقريب والذّات، والحبّ هو الامتداد في الشّركة وعطاء الذّات دون قيود أو شروط في الأمانة والعفّة والصّدق. في الحبّ نستعبد ذوتنا لله وفيه وبه للآخَر، وهذه هي العبوديّة المُحرِّرة المنتجة السّعادة الكاملة لأنّها اقتناء لروح الرَّبّ وعيش فيه. أمّا تعاطي للكيان الإنسانيّ والحياة على أنّها تفلُّت من كلّ آخَر إرضاء للذّات فهذه هي العبوديّة القاتلة النّفس والجسد، وهذا هو جوهر حضارة الاستهلاك في أيّامنا وفي كلّ عصر.

”اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرّ“ (تثنية 30: 15) فاختر أيّهما تريد! …

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة