نشرة كنيستي- الأحد (17) بعد العنصرة- العدد 40
الأحد 04 تشرين الأوَّل 2020
كلمة الرَّاعي
توبوا
”تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ“ (متّى ٤: ١٧).
ما هو دافع الإنسان إلى التّوبة؟ كيف يتوب؟ عن ماذا يتوب؟ هل يستطيع فعلًا أن يتوب؟ ما هي التّوبة؟ … هذه الأسئلة وغيرها تطرحها علينا كلمة الرَّبّ يسوع هذه.
”هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: تُوبُوا وَارْجِعُوا عَنْ أَصْنَامِكُمْ، وَعَنْ كُلِّ رَجَاسَاتِكُمُ اصْرِفُوا وُجُوهَكُمْ“ (حزقيال ١٤: ٦).
هل ما زلنا نعبد الأصنام اليوم؟ هل نصنع رجاسات في حياتنا؟
اخترع الإنسان أصنامًا ليعبدها لأنّه تعرَّض للخوف والعبوديّة. الخوف ممّن أو ما هو أقوى منه، والعبوديّة لمّا يرى نفسه مَقودًا منه دون أن يستطيع مقاومته داخليًّا. الخوف والعبوديّة هما حركتان في النّفس البشريّة تسيِّران حياة الإنسان وتَأُولان به إلى أماكن لا يعرف كَنَهَها تجعله مسلوب الإرادة طوعًا أو كرهًا.
قد نظنّ كمؤمنين بأنّنا نرفض عبادة الأصنام ونعبد الإله الواحد الوحيد الحيّ، لكن ما هي الأصنام يا ترى؟ إنّها مخاوفنا وأهواؤنا وشهواتنا. إنّها صورتنا المثاليّة الّتي نُظهِرُها أمام النّاس والّتي ليست محقَّقة فينا بل هي سبب آلامنا، لأنّنا لا نستطيع أن نكونها حقًّا فنكونها بالظّاهر ونكون عكسها ربّما في الدّاخل. هذه الصّورة- الصَّنم قد نسقطها على من نرى فيهم شيئًا منها أو من يشدّوننا، فيصير هؤلاء صنمنا الّذي نعبده دون الله. من هنا نرى أنَّ صورة الله مربوطة بصورة الأب، فإذا سقط الأب من صورته المثاليّة في أعين أولاده يسقط الله معه من الوجود. لذا، في مثل هذه الحالة يثور النّاس وتسيطر عليهم حالة من الهستيريا المرضيّة، الفرديّة و / أو الجماعيّة، ويفقدون كلّ سيطرة على أفعالهم لأنّهم فقدوا كلّ ثبات ورجاء وانهارت صورة الإله في عيونهم، لم يعد يوجد لديهم ملجأ أمين ومصدر للأمان. هذه الحالة تولِّد خوفًا كيانيًّا وجوديًّا تدفع النّاس أن يستشرسوا بإزائها ليحافظوا على بقائهم لأنّ حياتهم مبنيّة، بالأساس، على البشر وليس على الله. لأنّه لو كان الله أساس حياتهم لما تزعزعوا، ولكن كيف يكون الله أساسًا لحياتهم إذا لم ينموا ويتربّوا على الإيمان والثّقة بالله أي إذا لم يعرفوا الله بخبرتهم معه؟!…
لمّا ينشأ الإنسان دون نموّ روحيّ وفي بيئة بعيدة عن الحياة الكنسيّة يخسر نعمة كبيرة، إذ في عمر الطّفولة يتشرّب الإنسان الإيمان إلى أعماق كيانه، وهذا الإيمان الدَّفين في أعماقه يستيقظ في أزمنة الشّدائد ويحوّل حياته ويمنحه أن يبني علاقة ناضجة مع الله تؤهّله أن يواجه انهيارات الصُّوَر المثاليّة.
* * *
الإنسان مُستَعبَدٌ لأهوائه وشهواته، وهذه تجعله ضعيفًا هشًّا أمام التّجارب ما يؤدّي به إلى قساوة القلب وعدم الحسّ وتضخّم الأنا الاستهلاكيّ للوجود والآخَر. يوجد عبوديّة قسريّة وعبوديّة طوعيّة. اللَّذّة تأسرُ الإنسان تمنحه نشوة وألمًا لأنّها هي الّتي تسود عليه دومًا. فيثور الإنسان لكرامته وحريّته وإنسانيّته فيحاول التَّخلُّص من قيودها، ولكنّه ما يلبث أن يعود إليها صاغِرًا مستسلمًا، إلى أن يتحجَّر القلب من التّلذُّذ والألم. حينها يصير الإنسان في سبات الموت الرُّوحيّ. إنّها حالة ”كوما“ الخطيئة والرَّجاسة وعبادة الأصنام.
* * *
يتوب الإنسان لمّا تنيره النّعمة الإلهيّة عبر الضّمير. لأنّ الضّمير يخبو ولكنّه لا يموت، يستيقظ برحمة الله. نورالنّعمة يولّد آلامًا رهيبة في الإنسان لمَّا يرى من أين سقط آدم، وأيّة حالة من الفوضى الدّاخليّة والعواصف والأوساخ تتواجد في كيانه، فينوح على حالته كأمّ أرملة فقدت وَحيدها. يصير كأنّه بلا رجاء مع يقينه بوجود رجاء، وهذا ما يثبّته ويدفعه للاستمرار رغم شبه اليأس الّذي يعصف بقلبه. الصَّبر بإيمان ومثابرة على الصّلاة وتنقية الفكر والقلب من قذاراته وأوساخه. الرّبّ يمنحه المعرفة والرُّؤية والألم والنّدم وقوّة التّغيير، يجعله يعبر الموت عن إنسانه العتيق ويلده جديدًا بنعمته، فيتحرَّر الإنسان من كلّ صورة مثاليّة تأسره أو تسيطر عليه من خلال الأصنام والأهواء فيعرف أنّ التّوبة حياة جديدة بالكلّيّة وخبرة قوّة الله في حياة الإنسان.
فلنصلّي على الرّبِّ قائلين: “يا ربّي يسوع المسيح يا ابن الله الوحيد امنحني روح توبة وخلّصني”.
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما