نشرة كنيستي- أحد دخول ربّنا يسوع المسيح إلى الهيكل- العدد 5
الأحد 02 شباط 2020
كلمة الرَّاعي
تكريسنا لله في المسيح
”وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي،لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ“ (يوحنا 17: 19)
في الشّريعة اليهوديّة البكر مفروز للهيكل، ”قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي“ (الخروج 13: 2). لكن، فقط أبناء سبط لاوي يحقّ لهم البقاء في الهيكل وخدمته، ”وَهَا إِنِّي قَدْ أَخَذْتُ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَدَلَ كُلِّ بِكْرٍ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ اللاَّوِيُّونَ لِي“ (عدد 3: 12). لذلك، يجب أن يُفتَدى كلّ بكر ليس من سبط لاوي بحسب ما يحدّده النّاموس، ”كُلُّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ يُقَدِّمُونَهُ لِلرَّبِّ، مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ، يَكُونُ لَكَ. غَيْرَ أَنَّكَ تَقْبَلُ فِدَاءَ بِكْرِ الإِنْسَانِ. وَبِكْرُ الْبَهِيمَةِ النَّجِسَةِ تَقْبَلُ فِدَاءَهُ“ (عد 18: 15).
المسيح ومع أنّه هو واضع النّاموس، إلّا أنّه تمَّم النّاموس، فأتى به يوسف الخطيب وأمّه إلى الهيكل ليفتدياه كونه ليس من سبط لاوي بل من سبط يهوذا. من هو منشأ الكهنوت يرفض من الشّريعة خادمًا في هيكل الرَّبّ، لأنّه يأتي لينشئ هيكلًا جديدًا للرَّبّ وكهنوتًا أبديًّا شموليًّا غير محصور بسبط أو شعب، لأنّ الآتي من لدن الآب طفلًا إلهيًّا محمولًا على السّاعِدَين يحضر ليحقِّق في ذاته مشروع الله للبشريّة، والّذي يعبّر عنه بطرس الرّسول قائلًا: ”وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ“ (1 بطرس 2: 9).
* * *
المسيح أتى وصنع كلّ ما صنع لأجلنا أي لصالحنا لخيرنا لخلاصنا، لكيما نحقِّق غاية وجودنا فيه. هو حقَّق كلّ شيء في ذاته، ليكون قدوة ومثالًا وبداية ونهاية لما خُلقنا لأجله. انتظار الخليقة والبشريّة تحقَّق بتجسّده، وهو قد تمَّم ما أتى لأجله أي أن ينقلنا من حالة العبوديّة للنّاموس إلى حرّيّة أبناء الله. من هنا تأتي دعوة بولس الرّسول للمسيحيّين في كلّ زمان بأن ”اثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ“ (غلاطية 5: 1). لأنّه حيث المسيح فهناك الانعتاق والتّحرُّر، ومن ينتظر الرَّبّ يأتيه بالخلاص، وهذا ما حصل مع سمعان الشّيخ الّذي صرخ حين أبصر الطّفل الإهيّ قائلًا: ”الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ …“ (لوقا 2: 29—30؛ أنظر أيضًا: أمثال 20: 22؛ سفر إشعياء 25: 9). الطّفل الإلهيّ أتى خصّيصًا لأجل هذا الشّيخ سمعان، وهو يأتي إلى كلّ من يطلبه بإيمان ويثق بأنّه لا بدّ آتٍ لأجله. من تنازل من سماه وصار بهيئة عبد محتملًا موت الصّليب لأجلنا (راجع فيليبي 2: 5—11) لا يمكن أن يخذل المتّكلين عليه … هو قُدِّس من الآب وفُرز من الثّالوث ليردَّنا إلى الله، وقد كشف لنا، في سرّ قدومه إلى الهيكل، أنّه هو الحمل المذبوح لأجل تطهيرنا واعتاقنا من خطايانا.
البشريّة في مريم ويوسف وسمعان الشّيخ وحنّة النّبيّة تقبَّلت في من قُدِّم إلى الهيكل سرَّ تكريسها النّهائيّ لله في الَّذي قُدِّم، كونه حمل البشريّة كلّها في ذاته صائرًا باكورة الخليقة الجديدة الّتي بتكريس الصَّليب تحمل في جسدها سماته (راجع: غلاطية 6: 14—17) .
* * *
المسيح كشف لنا تقديسه ذاته لإجلنا لمّا قَبِلَ أن نقدِّمه إلى الهيكل في مريم ويوسف، لكيما يُقَدِّسنا فيه ويقرّبنا لله الآب خدَّامًا لعهده الجديد بدم الحمل الفصحيّ المنتظر ذبحه منذ إنشاء العالم لافتداء كلّ الخليقة الَّتي ”تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا“ (رومية 8: 22—23). لقد أتى بالجسد ليفتدي أجسادنا المائتة بموته وقيامته، فيدخلنا معه في سرّ تنازله مكرَّسًا لهيكل الرَّبّ بذبحه عن خطايانا، لنصير معه وفيه وبه، أيضًا، مذبوحين عن الخطيئة لنفتدي العالم السّاقط الّذي فينا بطاعة الكلمة المتجسِّد واتّباعه. في المعموديّة والميرون والإفخارستيّا وسائر الأسرار نُقدَّم مع المسيح إلى هيكله-جسده لنصير إيّاه وفيه وهو إيّانا وفينا، وهذا كلّه يتمّ، فقط، إن أسلَمْنا ذواتنا له وأودعناه كلّ حياتنا وبعضنا بعضًا. من اقتبل المسيح سيّدًا وربًّا هو مقدَّس ومكرَّسٌ له في كلّ آن وزمان، ”أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ أَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيِ للهِ“ (1كورنثوس 6: 19—20) عبر محبّة الإخوة الّتي هي برهان قيامتنا في المسيح …
ومن استطاع أن يقبل فليقبل!
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما