نشرة كنيستي- الأحد (10) بعد العنصرة- العدد 35
29 آب 2021
كلمة الرّاعي
بدء السّنة الكنسيّة والقدّيس سمعان العاموديّ
بدء السّنة الكنسيّة الجديدة اقترن، عبر التّاريخ، بتدبير إداريّ إمبراطوريّ كان يقضـي بجمع الجزية في شهر أيلول قبل الشّتاء لدفع نفقات الجنود، واعتباراً من القرن الرّابع الميلاديّ كانت السّنوات تُحسب بحسب دورة ماليّة من السّنين تدعى “إنديكتيون”ومدّتها 15 سنة، لها علاقة بجباية الضّرائب حيث يُعاد فيها تخمين الأملاك الضّريبيّة. شهر أيلول هو أيضًا شهر جمع الأثمار والحبوب إلى المخازن، والتّحضير لإلقاء البذور، في الأرض، من جديد. وتقرأ الكنيسة بهذه المناسبة المقطع الإنجيليّ الَّذي يتحدّث عن القراءة من إشعيا النّبيّ الّتي تلاها الرّبّ في مجمع النّاصرة والّتي تقول: “روح الرَّبّ عليّ لأنّه مسحني لأبشـِّر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعُمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرّيّة وأكرز بسنة الرَّبّ المقبولة” (لو 4: 18 – 19). وهكذا صار الأوّل من ايلول، الّذي هو بدء السّنة بحسب التّقويم اليوليانيّ، ذكرى بداية السّنة الكنسيّة الّتي، بنعمة الله، تتقدَّس فيها الخليقة والمواسم الزّراعيّة، وتُبارَك بالدّخول في “سنة الرّبّ المقبولة”.
* * *
تُعيّد الكنيسة المقدَّسة أيضًا في الأوّل من أيلول للقديس العظيم سمعان العاموديّ الَّذي ولد حوالي العام 392 للميلاد في قرية اسمها صيص، بين سوريا وكيليكيا. نشأ في بيتٍ فقير تقيّ. وكبر على رعاية الأغنام متابعًا مهنة أبيه. التحق سمعان بدير للرّهبنة وهو في سنّ الخامسة عشر. في الدّير فتح سمعان عينيه على أصول الحياة الرّهبانيّة. وكان مطيعًا أكثر من أقرانه. ميله الشّديد إلى حياة أكثر تقشفًا دفعه إلى عيش حياةً نسكيةً قاسيةً جدًّا، ممّا دفع رئيس الدّير إلى إبعاده خشيةً على الرّهبان من الوقوع في تجاربٍ بسبب تفوّقه عليهم في حياة الجهاد الرّوحيّ. أخيرًا، هرب سمعان من منسكه الجديد بسبب توافد النّاس عليه وخوفًا من إكرام النّاس ولئلّا يضيّع ما اقتناه بنعمة الله في كلّ هذه السّنين من روح الصمت إلى روح الصّلاة النّقيّة. لذا، هرب إلى الجبال، واتّخذ لنفسه قاعدة عمود صعد عليها مقيمًا ومصلّيًا. بسبب توافد الجموع إليه من جديد أخذ يرفع العمود قليلًا قليلًا. وبارتفاع العمود كان سمعان يرتفع في مراقي النّور الإلهيّ، إلى إن بلغ علو العمود ستّة وثلاثين إلى أربعين ذراعًا. هكذا، عاش سمعان أكثر من ثلاثين سنة على العامود متخطّيًا بالنّعمة الإلهيّة برد الشّتاء القارص وحرّ الصّيف الحارق. اعتاد أن يقضي ليله كلّه وقسمًا من نهاره في الصَّلاة. رقد في الرّبّ على العامود في اليوم الأوّل من شهر أيلول من العام 461 م.، أو ربّما من العام 459. وقد بقي ثلاثة أيّام جاثيًا على ركبتيه قبل أن يكتشف أحد أنّه رقد. ظنّوه غارقًا في صلاته، فلمّا صعدوا إليه ليسألوه عن سبب صمته وجدوه ميتًا.
* * *
في الكنيسة، الزّمن الجديد هو زمن القداسة، والقداسة درب جهاد نسكيّ للمتزوّجين والعائشين في العالم، وللمتبتّلين. يتعلمّ الإنسان في النّسك أن يشكر الله على عطاياه وخليقته، ويعيش معها وفيها ولها كحارس وحافظ (كما كان آدم في الفردوس قبل السّقوط). النُّسك هو التّدرّب على عيش الفضيلة أي محاربة للأهواء، والأهواء بطبيعتها فمويّة أي استهلاكيّة واتّحاديّة أو توحيديّة. من هنا، النّسك هو الانفطام عن العالم، كحاجة نُستَعبدُ لها، والانتقال إلى تعاطي الوجود كعطيّة حبّ تكشف لنا مصدرها (الله) كشخص وكآخَر، منفصل عنّا ومتمايز، يحبّنا ويهبنا ذاته في شركة حبّه لنا ليُدخِلنا في حياته ونُدخله في حياتنا كجواب على حبّه لنا، كونه ”أحبّنا أوّلًا“.
النّموذج النّسكيّ الاستثنائيّ، للقدّيس سمعان العاموديّ، إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أنّه أدرك أنّ وجوده وحياته هما عطيّة من الله، وأنّ العالم وما فيه لا قيمة لهم ما لم يتقبّلهم كهديّة حبّ لتشبيك رباط الوحدة بينه وبين الله الخالق. من هنا، استطاع أن يتحرَّر من حاجته إلى العالم، لأنّه عرف أنّ الحاجة إنّما هي ”إلى واحد“. من هنا يأتي الشّكر والتّمجيد لله على كلّ ما يعطينا وما لا يعطينا، لأنّه مصدر كلّ خير وبركة ونعمة في حياتنا وهو مصدر وغاية وجودنا.
هكذا يلتقي عيد رأس السّنة الكنسيّة ومباركة غلّات الأرض ومواسمها مع عيد القدّيس سمعان العاموديّ، ليشكّلا حلقة واحدة من الشّكر والتّمجيد وطلب البركة والنّعمة الإلهيّتين للدّخول في سرّ التّجدُّد الرّوحيّ بالتّوبة كعيد دائم للدّخول في الزّمن الجديد، زمن اللّازمن، زمن ملكوت السّماوات، أي المسيح الَّذي في داخلنا.
أيها الأحبّاء، يُنعم الرّبّ علينا في كلّ يوم بفرصة لحياة جديدة فيه إذ ما تجاوبنا مع نداء حبّه وتُبْنَا إليه ليتوب إلينا ويهبنا في كلّ زمن توبة حياة جديدة وزمنًا جديدًا من العيش معه ومع كلّ إنسان ومع خليقته في سرّ حِفظ عطيّته وحراستها وإنمائها لرفعها إليه بالشّكر والتّمجيد في مسيرة تغيّرنا بنعمته ذبيحة حبّ بموتنا عن كلّ ما ليس منه وذبيحة تسبيح برفعنا الحمد لاسمه على كلّ شيء…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما