نشرة كنيستي- الأحد (15) من لوقا (زكَّا)- العدد 4
الأحد 26 كانون الثَّاني 2020
كلمة الرَّاعي
اليوم حصل الخلاص لهذا البيت
اليوم، وكلّ يوم، الرَّبّ حاضر وفاعل في حياتنا. هو يأتي إلينا. يدعونا بأسمائنا، لأنّه الرّاعي الصّالح وهو ”يدعو خرافه بأسمائها“ (راجع: إنجيل يوحنّا 10: 3). ليس الإنسان رقمًا عند الله بل وَجهًا … لا يعرفنا العالم كما يعرفنا الله. في العالم البشر أعداد ليس إلّا، أمّا عند الله فكلّ منّا صورته وموضوع حبّه الإلهيّ … الله ليس بعيدًا عن خليقته، بل هو أقرب منّا إلينا … هو ينادينا، يريد أن يكلّمنا ليدلّنا على طريق الحياة الأبديّة والفرح … لقد أتى ليخلّصنا من عبوديّة الموت الّتي بالخطيئة والشّهوات والأهواء. إنّه ينتظر جوابنا على مبادرات حبّه … فهل مَن يستجيب؟! …
* * *
ما هي مشكلة الإنسان مع الله؟ إنّها عدم قدرة المخلوق على فهم الخالق أو بالأحرى عجز الإنسان عن احتواء وضبط حقيقة مُبدعه وبارئه. بسبب السّقوط، صار الإنسان مَحدودًا لأنّه خسر الوحدة بالرّوح مع الَّذي نفخ في أنفه نسمة الحياة الأبديّة. صارت علاقة الإنسان بالله عقلانيّة لأنّ المصنوع من العَليّ خسر مصدر الإدراك الرّوحيّ في كيانه الَّذي هو نعمة الرُّوح القدس. بدون هذه النّعمة لا يستطيع الإنسان أن يَبني مع الرَّبّ علاقة حقيقيّة ويدخل في سرّ المعرفة الَّذي هو الوَحدة … معرفة الإنسان لذاته تشوّهت بسبب الخطيئة الأولى، إذ اعتبر هذا الأخير نفسه مستقلًّا عن مَنْ أوْجَده وقائمًا بذاته لذاته، فانقسم البشر على بعضهم البعض ودخلوا في الفوضى الكيانيّة والكَوْنيّة … وصار الإنسان منقسمًا على نفسه يعرف الخير بالضّمير، ولو لم يكن نقيًّا بالكلّيّة، ومن خلال النّاموس ولكنّه يفقه نفسه عاجزًا عن إتمام البِرّ، لا بل المصيبة الأكبر، أنّه يفعل الشّرّ الّذي لا يريده …
* * *
”لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَالْمَالَ“ (إنجيل متى 6: 24). للمال سلطان على الإنسان كبير جدًّا، لأنّه ”عَصَبُ“ الحياة في العالم. اخترع الإنسان هذه الأداة لتخدمه فصار عبدًا لها. لا بل صارت، في نظر أبناء هذا الدّهر، مصدر الحياة … لذلك، ترى البشر يركضون ويلهثون وراء المال وجمعه، ظنًّا منهم أنّ هذا يجعلهم في أمان من مخاطر الزَّمَن. لكن، الحقيقة هي أنّ المال يأسر الإنسان ويجعله يخسر أهمّ ما في الحياة، ألا وهو الحبّ النّقيّ، لأنّ المُستعبَد للمال يقيس الوجود بناءً على ما يملك ويقيّم النّاس بمُقتنياتهم. حبّه الأوّل والأخير هو لنفسه وكلّ ما عداه برسم البيع والشّراء … بماله …
لا يستطيع عابد المال أن يؤمن إلّا بذاته وبأمواله الّتي تمثّل مصدر السّلطة والقوّة والوجود بالنّسبة إليه. مَنْ يملك نقودًا منقولة أو غير منقولة ينوجد ومن لا يملك هو غير موجود بالنّسبة إليه. هذا الكائن يصير وحشًا كاسرًا لا يهمّه أحد وقادر أن يسحق كلّ من يعترض مصالحه وكلّ من يُعيق سعيه لاقتناء ”إكسير الوجود“، عَنَيْتُ به المال …
* * *
بيت الإنسان الأوّل هو قلبه. بيته الثّاني أخصّاؤه. بيته الثّالث هو محيطه. بيته الرّابع هو بلاده، وبيته الخامس هو العالم كلّه. الرَّبّ يسوع أتى ليخلّص الإنسان وبيته. الخلاص يبدأ في القلب، والخلاص هو التّحرُّر من الموت وأسبابه أي من كلّ تعلُّق كيانيّ بما ليس هو، أو بالأحرى بِمَن ليس هو، مصدرًا للحياة. مستحيل على الإنسان أن يحيا، بالحقيقة، كما خُلِقَ ليكون بدون قوّة الله لأنّه على صورته. استبدل الإنسان الله، مصدر الحياة، بصنم أصمّ أبكم لا يُبصر هو المال. الإنسان يريد إلهًا من هذا النّوع، أي إله خاضِع لتصوّرات قلبه لأنّه وسيلة اقتنائها. هكذا يُصنِّم النّاس الله ويتعاطون معه كأداة لتحقيق مآربهم … لذلك، معظم البشر مُلحدون عمليّون لأنّهم يريدون إلهًا خاضِعًا لهم أي هو وسيلة إشباع خَوَرِهم الكيانيّ. يظنّون أنّ لهم بالمال حياة، وهكذا يقبعون في كُفرهم فلا يستطيعون أن يؤمنوا، لأنّهم يطلبون مجدًا بعضهم من بعض بناءً على ما يملكون من مقتنيات، ساعين وراء سراب لأنّهم لا يطلبون مجد الله … (راجع: يوحنا 5: 44).
* * *
أيّها الأحبّاء، اليوم، يدعونا الرَّبّ إلى الحياة الأبديّة والمعرفة الحقَّانيّة الّتي في يسوع المسيح لله الآب بنعمة الرُّوح القدس (راجع: يوحنا 17: 3). خلاص بيتنا يكون بالتّخلِّي عن الكذبة الكبرى بأنّ المال هو مصدر حياتنا وأساس أماننا وضمانة كرامتنا. الله هو الّذي يُعطينا قيمتنا ويضمن وجودنا الأبديّ ويمنحنا الرّاحة الكاملة والسّلام في القلب بِسَكْبِ حنانه علينا عبر تبنّيه لنا في سرّ الحبّ الإلهيّ، الّذي كشفه يوم أرسل ابنه الوحيد ليتَّخذ ما لنا كي يهبنا ما له، إذ حمل ضعفاتنا وخطايانا مفتديًا إيّانا من موت الخطيئة وبارئًا لنا من فوق بانحدار الرُّوح الإلهيّ علينا في ابنه المتأنّس. مجدنا أن لا يبقى بيننا مُحتاج وبائس وفقير ومتألّم وحزين … أن نكون حاضرين لأجل بعضنا البعض هو كنزنا ومالنا الّذي يمكننا الافتخار به أمام عرش العليّ لأنّه ثمرة الحبّ والحنان الإلهيّيَن الفاعلَين فينا بالنّعمة، وما عدا ذلك من أموال وكنوز ليست سوى أصنام تأسرنا وتستعبدنا وتمسّخنا مدمِّرة الصّورة الإلهيّة فينا فنخسر خلاصنا.
اليوم يحصل خلاص بيتنا إذا ما تحرَّرنا بحبّ الآخَر المُطلَق، أي الله، عبر بذل حياتنا بالتّخلي عن كلّ تعلّق بأيّ نوع من أنواع المُمتلكات لأجل من يضعه الله في طريقنا لنصير له إخوة وأخوات …
ومن له أذنان للسّمع فليسمع
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما