Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (20) بعد العنصرة- العدد 43

الأحد 25 تشرين الأوَّل 2020

كلمة الرَّاعي

المُسامَحَة

“وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ
كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ” (أفسس 4: 32)

المُسامَحَة هي الغفران والعفو. تُسامح من يسيء إليك حين تكون قويًّا في المحبّة ثابتًا في الإيمان وواثقًا من ربِّك. قليل الإيمان لا يمكنه أن يسامح. من لا يعرف أنّه عُفِيَ عنه برحمة الله كثيرًا، رغم خطاياه الّتي لا تُعدُّ ولا تُحصى، لا يستطيع أن يفقه ما هي المسامحة لأنّه لا يعرف ماهيّة التّوبة. لا يتوب من لا يعرف خطاياه، ولا يعرف خطاياه من لم يتألّم منها. ولا يتألم من خطاياه من يضع اللّوم في ألمه على الآخَر، سواء أكان هذا الآخَر هو الله أو الإنسان أو الظّروف…

من لا يطلب المُسامَحة لا يحصل عليها لأنّ الرَّبَّ يقول: “اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ” (متّى 7: 7). الله ليس بظالم، الإنسان متكبّر. لا خلاص إلَّا بالتّواضع. من لا يتّضِع لا يطلب المُسامَحة، والمُتواضِع يَلوم ذاتَهُ على أقلِّ حركةِ عدم محبّة يراها في قلبه.

*             *             *

ما الّذي فعله المسيح لأجلنا على الصّليب؟ نقول إنّه حمل خطايانا وحرَّرنا منها بفدية دمه الإلهيّ. هكذا، صار كلّ مؤمن بالمسيح مَفدِيٌّ بدم إلهه ومعلّمه. فمن يستطيع أن يدين بعد يا ترى؟!…

الإنسان لا ثمن له لأنَّ دم ابن الله دُفع عنه لأجل حياته الأبديّة. هذا يبقى كلامًا أجوفًا لمن لا يؤمن بالتّجسُد الإلهيّ وبصيرورة ابن الله ابنًا للإنسان، أي باتّخاذ الكلمة الإله كلِّيَّتَنا ليحرِّرنا من كلّ عبوديّة وخوف. من يخافُ الآخَرَ لا يستطيعُ أن يسامحَهُ أو أن يغفرَ له، لأنَّ هذا الآخَر يبقى تهديدًا مُستمرًّا له. معلّمنا كشف لنا طريق المُسامَحة الكامل، إنّه البذل الكامل لحياتنا لأجل أعدائنا وليس فقط لأجل من نحبّ ويحبّوننا… هذه الحقيقة مؤلمة جدًّا، لا بل تناقض كلّ منطق في هذا العالم، إنّها جنون بالنّسبة لأبناء هذا الدَّهر ولأبناء الحكمة البشريّة ولأبناء الشَّريعة. لا شيء يساوي دم ابن الله المسفوك من أجلنا، لذلك، من يستطيع أن يستهين بعمل الله الخلاصيّ ويرفض أن يسامح ويغفر طالما أنّ الله بشخص ابنه المتجسِّد قد فتح باب الغفران لكلّ ساقط بالتّوبة؟!…

*             *             *

البشر يَرَوْن في اللُّطفِ ضعفًا وفي المُسامَحة جُبْنًا، هذا لأنّهم لم يعرفوا محبَّة المخلِّص والفادي لهم إذ لم يتوبوا بعد. لهذا، يقول الرَّسُول بولس لِغَير التّائب: “أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ (أي الله) وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟” (رومية 2: 4). من لا يُسامح هو إنسان دَيَّان ومن يَدين غيره لا خلاص له ولا مغفرة، مصيرُه دودٌ ينخر كيانه الرُّوحيّ إلى الأبد… هكذا من لا رحمة عنده ومن لا يريد أن يسامِح، لأنّ كبرياءه مريض وقلبه عَفنٌ وعقله مَسْبِيٌّ بالعجرفة واحتقار الآخَرين والعُجْب!… هذا هو إنسان السُّقوط الَّذي لا خلاص له، لأنّ من لا يغفر لا يُغفر له ومن لا يُسامِح لا يُسامَح ومن يَدين فسوف يُدان…

*             *             * 

 أيُّها الأحبّاء، فلنتعلَّم المُسامحة من ربّنا لأنّنا له وباسمه نُدعَى. لقد صولِحنا مع الله بالإنسان يسوع المسيح، الَّذي صار لنا نموذجًا وقدوةً والَّذي يهبنا ذاته وقوّته وحياته بالرُّوح القدس. كلّ ما عاشه الرَّبُّ بالجسد يعطينا أن نعيشه بروحه القدُّوس، ولذلك، إذا أطعناه في أفكارنا وصنعنا مشيئته في حياتنا وَهَبَنَا أن نغلب روح الشِّرّير الَّذي يريدنا أن نحقد ونكره وندين وننتقم. الله هو الَّذي يدين، وهو الَّذي يرحم، أيضًا، وهو قد أتى إلينا ليرحمنا ويخلّصنا من شرورنا ويمنح العالم حياة جديدة فيه. الرَّبُّ يؤدّب للخلاص ويرحم ويتحنَّن للخلاص. كلّ إنسان يُحَدِّد علاقة الله به من خلال طاعته للكلمة الإلهيّة. الرَّبُّ لا يقبل الرّخاوة واللّامبالاة لأنّها ضدُّ المحبّة، لذلك يكون الله صارمًا ولطيفًا بحسب ما يوافق كلّ شخص في علاقته به لأجل خلاصه. أمّا من يعرف حنان الله عليه حين يتوب ويرى كم غُفِرَ له يفقه كم هو محبوب، وأمّا غير التّائب فلا ينفعه لطف، لذلك قال الرَّسول بولس: “هُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ” (رومية 11: 22).

يا أحبّة، فلينظر كلّ منّا إلى نفسه ولْيَرَ عمل الله في حياته ولطفه به، وليتعلّم اللُّطف والشَّفَقة والمُسامحة لكي تُوهَب له بروح الله فيصير على صورة معلّمه لأنّ الله قد أتى ليهبنا الحياة “ولتكون أفضل” (يوحنّا 10: 10).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

 + أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة