نشرة كنيستي- الأحد (24) بعد العنصرة- العدد 47
الأحد 22 تشرين الثَّاني 2020
كلمة الرَّاعي
الغنى
”طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَجِدُ الْحِكْمَةَ، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يَنَالُ الْفَهْمَ، (…) فِي يَمِينِهَا طُولُ أَيَّامٍ، وَفِي يَسَارِهَا الْغِنَى وَالْمَجْدُ“ (أمثال 3: 13—16)
الغنى له معانٍ واسعة جدًّا. قد يكون الإنسان غنيًّا بماله وجماله وعلمه إلخ. لكن هذا الغنى يولِّد فيه شكرًا لله وتواضعًا فيكون مرضيًّا للرَّبّ حينها، أمّا إذا حَرَّكَتْ فيه هذه النِّعَم كبرياءه يصير رجسًا عند العَلِيّ.
من لا يعي هشاشته وعدميّته بدون الخالق، تصير الخيرات الّتي عنده سبب استكبار، فتدمّر قلبه وتجعله غير قادر على تلمُّس محبّة الله له، فيموت في نفسه لأنّه يطرد روح التّواضع.
* * *
الرَّبّ الخالق هو مصدر كلّ نعمة وخير، وهو برأ الإنسان ووهبه الكون والخليقة وما فيها كلّها له، ليفرح ويشكر ويمجِّد المعطي، ليس أنّ الإله يحتاج من يشكره أو يمجّده، بل ليَدخل الإنسان مع العليّ في سرّ شركة الحياة الأبديّة.
كلّ غنى منفصل عن مصدره، أي الله، يتحوَّل إلى صنم يُعبَد ويصير غاية بحدّ ذاته. أوّل ما يخطر على بال الإنسان، حين يُذكر الغنى، هو المال. بالنّسبة للمؤمن المسألة محسومة: ”لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ“ (متى 6: 24). المال بشكل محدَّد يُشكِّل تحدِّيًا للإنسان، لأنّه بدون المال لا يستطيع الإنسان أن يحقِّق مشاريعه وطموحاته، هكذا يفكّر معظم النّاس، إذ يقول المثل العامّي: ”معك قرش بتسوى قرش“…
تجربة المال صعبة، لأنّ الفقير يحتاجه ليعيش وقد يقع في أسره، والغنيّ قد يقع في تجربة جمعه والسَّعي لزيادته، وفي هذه الحالة تصير أمواله عبئًا عليه لأنّه يخشى نقصانها وهذا يدفعه إلى التّضحية، ربّما، بكثير من النِّعَم الّتي في حياته لكي يحافظ على نموّ أعماله…
”لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى. أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي“ (أمثال 30: 8). هذه قناعة المؤمن، أنّه يحيا في التّوازن، لأنّ الفقر تجربة للضّعيف كما الغنى. الفقر قد يجعل الإنسان يكفر بالله والغنى أيضًا، الأوّل بسبب العَوَز والثّاني بسبب التّخمة. فقط من عاش روح الشّركة يصير له فقره بركة لأنّه يفتقر ليشارك ”فلس الأرملة“ مع أخيه المحتاج مثله، وكذا الغني، وفي الحالتَين الرَّبّ يبارك حياة الإنسان ويزيد له الخيرات ليستمرّ بالعطاء في روح الوحدة الّتي في الرَّبّ…
* * *
”فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْـــــــلِـــــــــكُـــــــــمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ“ (2كورنثوس 8: 9). هذه هي المسألة الجوهريَّة، أنّ الغنى هو صفة الله الّذي كشف لنا في ابنه المتجسِّد يسوع المسيح أنّه يريد أن يهبنا كنزه أي ذاته، وهو قد أتمَّ هذا الأمر بتجسُّده، إذ ”أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ“ (فيليبي 2: 7). الرَّبّ منحنا، في ذاته بابنه المتجسِّد، غنى نعمته أي قواه الإلهيّة غير المخلوقة بالرّوح القدس. من يملك حياة الله فيه يسكن في الله والله فيه، وهكذا يصير كلّي القدرة، ”أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي“ (في 4: 13). هذا هو سرّ الوجود والغنى الإلهيّ في حياة المؤمن.
البشر في هذا العالم ما زالوا يعيدون سقطة آدم الأوّل، لأنّهم يطوّرون“حياتهم ومجتمعاتهم و”قيمهم“ و”أخلاقيّاتهم“ انطلاقًا من رغبتهم بالتّألّه بقدراتهم الماليّة والعقليّة والعلميّة ونفوذهم … هكذا يصير الغنى بحسب العالم أساس تأليه الذّات خلافًا لحقيقة الإنسان الأنطولوجيّة (أي الّتي بحسب أساس خلقه وغاية وجوده).
* * *
أيُّها الأحبّاء، ”كلّ عَطيّة صالحة“ مصدرها الثّالوث القدّوس. الغنى في أيّ مجال كان هو من طبيعة الإنسان الأوّل قبل السّقوط لأنّه من صورة الله فيه. الغنى نعمة من الله، ومن عرف أن يستثمر غناه لمجد الله أي في خدمة الإنسان وخلاصه الأبديّ يُمَجِّده الله في هذا العالم وفي الدَّهر الآتي. هذه هي الحكمة الّتي علينا أن نتمسَّك بها: ”الّتي لك وهي ممّا لك نقدّمها لك على كلّ شيء ومن أجل كلّ شيء“. الكلّ من الرَّبّ وكلّ شيء هو من أجل الرَّبّ. صحيح أنّ الإنسان يتعب ليُنمّي غناه، ولكنّ هذا كلّه في الأساس عطيّة من الله. في حـــياتــــــنــــــــــــــا مع الــــــــــــــــــرَّبّ نـــــــــــــعـــــــــــــيــــــــــــش بالتّآزر (Synergia)، هو يقودنا إذا ما أَصَخْنَا إليه ويُرشدنا إلى الحياة والنّور والمجد الّذي من لَدُنِه.
المؤمن إنسان غنيّ ويطلب الغنى الّذي من فوق، وهو لذلك يُبدِّد ما أعطاه الله إيّاه لمجد العَلي في خدمة الحبّ الإلهيّ حين يستعبد ذاته في المسيح بكلّ ما يملك لينطق حبّه للإله في الإنسان…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع.
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما