نشرة كنيستي- الأحد (2) بعد الفصح (حاملات الطِّيب)- العدد 18
الأحد 03 أيّار 2020
كلمة الرَّاعي
العودة إلى الله
”قَبْلَ أنْ أُذَلَّلَ أَنَا ضَلَلْتُ، أَمَّا الآنَ فَحَفِظْتُ قَوْلَكَ“ (مزمور ١١٩: ٦٧)
هل يعرف الإنسان حقيقة نفسه؟ هل يُدرك محدوديّته؟ هل يعلم أنّه مكشوف أمام الله؟ هل يرى خطاياه؟!…
لا يحفظ الإنسان وصيّة الله قبل أن يرجع عن ضلاله وانحرافه عن طريق الحقّ. ولا يرجع الإنسان إلى الله قبل أن تذلّه خطيئته شرّ إذلال. ما لم يتألَّم الإنسان من آثامه لا يتركها، والتّخلّي عنها هو أمرٌ مستحيل بشـريًّا، بدون نعمة الله لا يقدر الإنسان على التّوبة…
* * *
ما هي حقيقة قلبي أنا الإنسان؟ ما الَّذي يكبّلني ويبعدني عن الله ويلصقني بالخطيئة؟ ما هو الَّذي يجعل في داخلي مرارة وألمًا دائمًا لا ينطفئ؟
يحاول الإنسان أن يجد معنًى لحياته، هو يبحث عن نفسه التّائهة. يظنّ أنّه وجدها، أحيانًا، إذا ما حصل على شيء كان يبتغيه ويسعى إليه. والعالم يُتخِمكَ بالحاجات والضّرورات والأحلام-الأوهام الكاذبة عن السّعادة.
بعد السّقوط، صار الإنسان يتوق إلى السّلام والرّاحة من الآلام والتَّحرُّر من الحاجات. وكأنّي به يبحث عن جوهره، عن حاجته الجوهريّة الَّتي تُعطيه معنًى وغايةً لحياته تُشبِع انشداده الدّاخليّ السّرّيّ (mysterious) إلى ما/ مَن هو مخفيّ عليه والّتي تملأه فرحًا ينتج عنه السّلام والرّاحة. ما لا يفقهه معظم النّاس أنّ الفرح لا يأتي إلّا من المحبّة، وهنا تكمن المشكلة الحقيقيّة لمأساة البشريّة، المشكلة الّتي لا يبدو أنّ لها حلّ وهي لا حلّ لها، بالتّأكيد، بشريًّا لأنَّ الإنسان السّاقط صار مُنغلقًا على نفسه وأفكاره ومشيئاته، مُختبئًا في داخل نفسه مُستَعدِيًا كلّ آخَر، فمن ليست المحبّة بالنّسبة إليه هي رباط مع الآخَر على صعيد الكيان الدّاخليّ وامتداد كلّيّ نحوه لن يُدرك يومًا الفرح والسّلام والرّاحة بل سيبقى في تخبّطه نفسًا وجسدًا وروح الله لن يستقرّ فيه أبدًا.
* * *
الخطيئةُ في جوهرِها عبادةُ ذات. ”لا إله إلّا أنا“ يقول الإنسان السّاقِط، هكذا تُقنِع الخطيئة صاحبها دون أن يُدرِك ذلك أحيانًا كثيرة، فتدفعه إلى الرّغبة بشدّ كلّ الوجود إليه واستهلاكه في أناه، وهذا ما يفقده خبرة الفرح الإلهيّ، الفرح الوحيد الحقّانيّ…
ما لا تعرفه أغلبيّة البشر السّاحقة هو الفرح الحقّانيّ. لماذا؟ لأنّ البشر لا يُحبُّون سوى أنفسهم. هم حينما يظنّون أنّهم يحبّون الآخَرين يفعلون هذا ليُرضوا أناهم وليس لأنّهم أدركوا أنَّ الآخَر هو حياتهم. المحبّة الانتقائيّة ليست محبّة. المحبَّة الجبريّة ليست محبّة. المحبّة الّتي تُقيِّد المحبوب بأُطُرٍ وشروط ناجمة عن ضعفات الإنسان وحبّه لتملُّكِ الآخَر ليست محبّة. لأنّه حيث المحبّة الإلهيّة فهناك الحرّيّة، وحيث الحرّيّة فهناك روح الرَّبّ، وحيث روح الرَّبّ فهناك المسيح، وحيث المسيح فهناك الآب، وحيث الآب فهناك الثّالوث القدّوس، لأنّ الرُّوح يأتي إلى العالم بالابن بحسب مشيئة الآب وهو مستقرٌّ في الابن سرمديًّا في سرّ شركة الثّالوث، والابن يأتينا من خلال الرُّوح القدس وهو فيه ساكن في شركة المحبّة، والابن والرُّوح في الآب، والآب في الابن والرُّوح القدس. وهذه هي المحبّة إنّها الله، إنّها الآب والابن والرُّوح القدس الثّالوث الواحد في الجوهر والغير المنفصل أو المنقسم.
* * *
من يحفظ أقوال الله ووصاياه هذا هو الَّذي يجد نعمةً ورحمةً وخلاصًا، هذا هو الَّذي يُعطى روح التّوبة، لأنّ من لا تتوّبه الكلمة الإلهيّة لن يتوب حتّى ”ولو قام واحد من بين الأموات“.
بدء العودة إلى الله معرفة الكلمة الإلهيّة، والطّريق هو السّعي لطاعتها، ونجازها اتّحاد بالله. هذه هي خبرة القيامة في حياتنا، واستباق القيامة العامّة، فطوبى لمن يسمع ويستجيب…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما