Menu Close

الأحد الثُّالث من الصَّوْم (السُّجود للصَّليب المقدَّس)

العدد 11

الأحد 15 آذار  2026

كلمة الرّاعي 

الصَّليب ويَقين الغلبة على الموت

“لأنَّ مَن أَرادَ أَن يُخَلِّصَ نَفسَهُ يُهلِكُها، وَمَن أَهلَكَ نَفسَهُ مِن أَجلي وَمِن أَجلِ الإنجيلِ يُخَلِّصُها” (مر 8: 35)

في وسط الفردوس قديمًا كان يوجد شجرتان، شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشَّرّ، وهما خشبتان ترمزان للصَّليب في وسط حياة المؤمن، صليب للحياة الأبديَّة وصليب للموت الأبديّ. شجرة إذا أكلتَ منها تحيا وأخرى إذا أكلتَ منها تموت لأنّك تُمنع حينها من الأكل من الشَّجرة الأولى أو بالأحرى لأنّك لا تعود قادرًا أن تأكل من الشَّجرة المحْيِيَة إذْ شرط الأكل منها طاعة الوَصيَّة الإلهيَّة. مَن يعتاد على طاعة نفسه أي التَّمسُّك بمشيئته الذَّاتيَّة لا يَعود قادرًا أن يتذَوَّق ثمار طاعة المشيئة الإلهيَّة أي أن يشترك في الحياة مع الله، لأنَّ الله شركة ووَحدة أي عطاء للذَّات، وأمَّا مطيعُ نفسه فلا شركة له مع أحد بل هو معتاد على الاستهلاك ليحيا… وتاليًا هو غير قادر كيانيًّا على التَّعاطي مع الآخَر المختلف دون أن يُذيبه في نفسه أي يلغي وجوده الشَّخصيّ…

*             *             *

نوعان من الصَّليب: (أ) الصَّليب الَّذي هو أداة للموت وإلغاء الوُجود، هو جَوْهَر حياة الإنسان الَّذي يعيش لنفسه فقط، فهو يَرى في الآخَر دَوْمًا تهديدًا لوجوده وسببَ ألم له ولذا يسعى لإلغائه، فيَصلُبُ الآخَر في داخله أي يُميته ككائنٍ شخصيّ نِدِّيٍّ له بإزائه ليَحيا عبر استهلاكه. (ب) والصَّليب الآخَر الَّذي هو مصدر للحياة والوُجود، لأنَّ المصلوب عليه يختار طوعًا الموت ليُحيي الآخَر بحُبِّه فيَستهلك ذاته لأجل حياة الآخَرين، وهذا الصَّليب لا أحد يستطيع أن يحمله وأن يعيشه إلَّا المسيح ابن الله الحَيّ ومَن كان مُتَّحِدًا به، لأنّ الحياة إذا كانت محدودة في الزَّمَن لا يعود للتَّضحية من فعل أبديّ في حياة المحبوب… إذْ أبديّة الوُجود مرتبطة جوهريًّا بسِرِّ المحبَّة السَّرمديَّة الَّتي هي حياة الله وسرّ الشَّركة في الله مع التَّمايُز في الوَحدة… والله نفسه…

في منطق هذا الدَّهر، “الآخَر هو الجحيم” (العبارة الأصليَّة: “L’enfer, c’est les autres”) بحسب الفيلسوف الوجوديّ جان بول سارتر، والعبارة تعكس جوهر الفلسفة الوُجوديَّة: أنَّ الإنسان محكوم بعلاقته بالآخَرين، وأنَّ هذه العلاقة قد تتحوَّل إلى “جحيم” حين تسلبه حرِّيَّته. فالعلاقة بالآخَر بحسب سارتر تعني أنَّ وُجود الآخَر يفرض علينا نظرة خارجيَّة تَحِدُّ من حرِّيَّتنا، فنصبح موضوعًا في نظره، لا ذاتًا حرَّةً بالكامل. وتاليًا ندخل في الجحيم الَّذي ليس مكانًا بل هو حالة وجوديَّة ناتجة عن صراع الذَّات مع نظرة الآخَرين إليها. فالآخَر يذكِّرنا بأنَّنا لسنا مُطلقين، بل محكومون بعلاقاته معنا، وهذا يولِّد توتَّرًا وجوديًّا يشبه “الجحيم” أي هذا الألم الَّذي لا نهاية ولا علاج له… وهنا يدخل الإنسان في الموت أو في هلاك نفسه كلَّما حاول أن يكون حُرًّا من الآخَر لأنّه لا يستطيع إذْ هو مُحتاجٌ إليه، فينتقل من حاجته إلى الآخَر المختلف الَّتي تقيِّد “حرّيته” والَّذي بدونه لا ينوجد إلى جعل الآخَر وُقودًا لوجوده… عبر السَّعي للسَّيطرة عليه وإخضاعه له… وإن فشل في ذلك ازداد ألمه وجحيمه… فيصير عائشًا كميت وتفقد الحياة لذّتها عنده وتمتلئ نفسه مرارة فيطلب اللَّذَّات السَّريعة ليُغَيِّر طعم المرارة، فيغرق في الإدمان والعادة دون جدوى ودون شفاء… وهذا جحيمه…

*             *             *

يا أحبَّة، صليب الخلاص هو أن نختار أن نَصلِب العالم فينا لنَحْيَا في المسيح، أي أن نُهلكَ فينا كلّ ميلٍ إلى إشباع الأنا والخضوع للكبرياء وبهذا نُهلك أنفسنا من أجل المسيح وإنجيله، أي نصلب ونُميت الخوف من الآخَر ومن الاختلاف لأنّ إنجيل المسيح هو شخصه ذاته الَّذي كشف لنا أنّ غاية الوجود هي أن نحبَّ حتّى المنتهى عبر إفراغ ذواتنا (راجع فيليبي 2: 5 – 11) من كلّ ما ليس من الله ليصير الله فينا الكلّ في الكلّ… فنجد راحةً وفرحًا بالاخَر الَّذي يصير هو حياتنا في المسيح… وهذا هو الموت الَّذي نغلبه بصليب اتّباعنا ليسوع المسيح، أنّه موت حاجتنا الكيانيّة إلى إماتة الآخَر فينا وانبعاث حاجتنا الكيانيَّة إلى حياة الآخَر فينا وحياتنا فيه…

أن نصل إلى هذه الحالة الرُّوحيَّة من الحرِّيَّة الدَّاخليَّة يعني أن نكون قد غلبنا أهواءنا وشهواتنا وتعلُّقاتنا، وهذه لا تتحقَّق إلَّا متى صارت محبَّة الله فينا قبل محبَّتنا لأنفسنا، أي طاعته هي أساس حياتنا إذْ نكون أسلمنا مشيئتنا بالكُلِّيَّة لمشيئته، ومشيئته قداستنا (راجع 1 تسالونيكي 4: 3)… هذه هي حُرِّيَّة أبناء الله (راجع رومية 8: 21) إنّها تحرُّر من عبوديَّة الخطيئة والفساد لأنّ محبَّة الله الَّتي بالنِّعمة الإلهيَّة تُحرِق كلَّ هوًى وشهوة فينا وتطهِّر القلب والذّهن (νοῦς) فيُعاين الإنسان مجد الله ويتمجَّد معه بنوره غير المخلوق متيقِّنًا بهذه الخبرة من غلبة الموت إلى الأبد لأنَّ محبَّة الله صارت هي حياته الَّتي منها وبها وفيها يحيا ويتحرَّك ويوجد (راجع أعمال 17: 28) …

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة