نشرة كنيستي- الأحد قبل عيد رفع الصَّليب- العدد 37
الأحد 13 أيلول 2020
كلمة الرَّاعي
الصَّليب فرح كلّ المَسكونة
أداة للموت هو منذ الأزمنة القديمة. صار رمزًا للحياة الفيّاضة بالحبّ الإلهيّ لمّا سُمِّر عليه ابن الله المتجسِّد مَن صار لنا بموته حياة وبآلامه إبادة للآلام.
تضع الكنيسة الصّليب، في هذا اليوم، بين الورود والرَّياحين لأنّه منه يفيض عبق القداسة بدم الَّذي افتدانا عليه. الصَّليب هو في وسط حياتنا، وحياتنا في وسط الأشواك، لكن عندما يكون المسيح على هذا الصّليب تتحوَّل الأشواك إلى خضرة وورود وجمال لأنّ “الله يُشـرق من الظّلمة نور”.
أحد السّجود للصَّليب المكرَّم هو ثالث أحد من آحاد الصّوم، رتَّبَتْهُ الكنيسة المقدَّسَة لكي تشدِّدنا في جهادنا ناقلة إيّانا إلى ناجمة الصَّليب بالمسيح يسوع أي القيامة والحياة الأبديّة، فتمدُّنا هكذا نحو غاية جهادنا، صليبنا، ألا وهي الغلبة على الموت والشِّرِّير واقتناء ملكوت السّماوات…
* * *
جهاد الصّوم والصّلاة هو الصَّليب الَّذي “به صُلِب العالم لي وأنا للعالم” (غلاطية 6: 14). الرَّبُّ يسوع هو من علّمنا، أوَّلًا، هذا الأمر في حياته وبذلِه نفسه لأجلنا حاملًا عار خطايانا وهو البريء من العيب، لأنَّ “أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا (…) وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا (…) عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ (…) وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا (…) سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ” (إشعياء 53: 4، 7، 9، 11 و12 ).
كلمة الرَّبّ يسوع لم تكن مرَّة سوى حياته، سوى شخصه منقولًا إلينا بالرّوح القدس. فمن يقتبل كلمة يسوع في قلبه ويتركها تنقّيه يتحوَّل هو إلى هذه الكلمة فيصير الكلمة (ΟΛόγος) فيها حاضرًا وفاعلًا. بكلمات أخرى، بطاعة الوصيّة في المحبّة الإلهيّة تصير شجرة معرفة الخير والشّرّ الصَّليب الَّذي به ينتقل الإنسان، بهذا الجهاد الصّياميّ الرّوحيّ الصّلاتيّ في صَلْبِ المعرفة السَّاقطة بالتّواضع، إلى ترك كلّ ما في العالم من غذاء لطلب ثمرة شجرة الحياة فقط أي “الكلمة الإلهيّ”.
آدم الأوّل سقط، بطُعم لذّة الطّعام، في خدعة وهم التّألّه بعود معرفة الخير والشَّرّ، دون الله، من مشـروع ربّه له ولذريّته فأدخَلَ بالمعرفة، الّتي خارج المحبّة والتّسليم لله، الموت والألم والخراب للخليقة بأسرها. آدم الثّاني، الرَّبّ يسوع المسيح، حمل بالطّاعة في الحبّ للآب بجسده من خلال الإمساك ثمرة سقوط آدم مع كلّ نتائجها ليُدخِل الإنسان في نور المعرفة الإلهيّة بواسطة خبرة إماتته للخطيئة على الصّليب وانتصاره عليها مع ما نجم عنها من نتائج على البشريّة والخليقة. بعبارات أخرى “بالصّليب قد أتى الفرح إلى كلّ العالم” لأنَّ الرَّبَّ “بالموت للموت أباد وحطم”، أي أنّ الصَّليب صار مطرح تحقيق وتجلِّي الغلبة الإلهيّة-البشريّة في المسيح يسوع الإله-الإنسان لكلّ الخليقة مع ذرّيَّة آدم الأوّل على سقوطها، وإعادة خلق العالم بدم الحمل الذَّبيح منذ إنشاء العالم.
* * *
أيّها الأحبّاء، ”فَلْنَتَمَسَّكْ بالاعترافِ. لأنْ ليسَ لنا رئيسُ كهنةٍ غيرُ قادرٍ أن يَرثيَ لأوهانِنا، بل مُجَرَّبٌ في كلِّ شيءٍ مِثلَنا ما خَلا الخطيئة” (عبرانيين 4: 14-15). الرَّبُّ شارَكَنا ضعفنا ليمنحنا قوّته. لا بدّ لنا من العبور بضعف الصَّليب أي بأن نقبل الإقرار بعدم قدرتنا على احتمال الصّليب وحدنا دون نعمة الله، لكيما بقوّة صليب المسيح ننتقل بألم الموت عن عتاقتنا إلى فرح الحياة الجديدة بالحبّ الإلهيّ الَّذي يُشرق حياتنا بنور المعرفة الإلهيّة في رحاب بهجة لُقيا المسيح في قلوبنا وفي وجوه الآخَرين الَّذين ما زالوا قابعين في “بقعة ظلال الموت” جاهلين نورانيّة صورة الله فيهم.
نتشدَّد اليوم ونفرح لأنّنا نعلم يقينًا أنّ زمن سؤدد الظّلمة قد باد دون رجعة بصليب المسيح، لأنّ الخطيئة وتاليًا الموت قد غُلِبا في يسوع وفي من هو متَّحد بيسوع. أمّا من يرفض خلاص الله الممدود في العالم من خلال جسد المسيح، أي الكنيسة، بعد يلمس حبّ الله وحنانه يعود إلى سقطة آدم الأوّل وسيبقى في دوامة هذا السُّقوط في ألم الصّليب بعود معرفة الخير والشَّرّ…
فلنصلب عقولنا بالإيمان والاتّكال على الله ليزهر لنا عود الصّليب حياة وغلبة أبديّتان للحبّ والفرح والسّلام…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما