Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد بعد عيد الميلاد- العدد 52

الأحد 27 كانون الأوَّل 2020

كلمة الرَّاعي

الزَّمنُ الجديد في المسيح

”يَا بُنَيَّ، احْرِصْ عَلَى الزَّمَانِ،

وَاحْتَفِظْ مِنَ الشَّرِّ“ (سيراخ 4: 23)

الإنسان يحيا في الزّمان والمكان. هذا يحدِّد له إطار عيشه. هو محدود بهما. من هنا أهمّيّة هذَين المقياسَين في تكوين شخصيّات البشر وحقيقتهم وأهدافهم. الإنسان هو ابن زمانه ومكانه بمعنًى من المعاني. مع ذلك، ليس الإنسان مُحدَّدًا بهما لأنّه مرتبط ببُعد آخَر غير بُعد المخلوقيَّة إذ هو على صورة الله…

خَلَقَ الله الإنسان بعد خَلْقِ الكون، وصنعه من عناصر هذا الوجود وأحياه بروحه (راجع تكوين 1 و2). الحياة أتت بروح الرَّبّ، أي النَّفْس، أمَّا الجسد فَمِنْ أَديم الأرض. الإنسان كائن مركَّب من عنصر مادِّيّ وعنصر روحيّ. ما يحدِّد جوهر الإنسان في كينونته هو ارتباطه بالخالق عبر الرّوح أو النَّفس البشريّة المتَّحدة بروح الرَّبّ مع الجسد. إذ للنّفس أعضاء روحيَّة تكون فاعِلة حين يتقبَّل الإنسان النّعمة الإلهيَّة. وبحسب المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس ”للنَّفس ثلاثة جوانب أو قوى: الجانب العاقل، والجانب المريد، والجانب الحسِّيّ. توجد نتائج للطّريقة الإيجابيّة أو السّلبيّة الّتي تعمل بها هذه القوى تؤثّر على الجسد وعلى الخليقة. أيضًا، وبحسب طريقة أخرى لتصنيف أجزاء النّفس، هي لها نوس (ذهن) وإرادة حرّة“. النُّوس أو الذّهن هو العنصر الرّوحيّ الَّذي يعاين الإنسان من خلاله الله ويدخل معه في سرّ المعرفة بالاتّحاد. هذا الاتّحاد يمتدّ إلى كلّ الكيان البشريّ بالنّعمة واهبًا للنّفس الجسد خبرات حياة الدّهر الآتي.

*             *             *

نحن نحيا في الزّمان والمكان، ولكنَّنا أُعطينا بنعمة الرّوح القدس أن نكون فيهما وخارجًا عنهما. لأنَّنا إذ نحن أعضاء في الكنيسة-جسد المسيح فنحن أبناء الملكوت، وبالتّالي نحن في العالم ولسنا من العالم، ونحن خاضعون للزّمن ومتحرِّرون منه.

ماذا يعني هذا الكلام؟!… أبناء الله ”يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ“ الّذي ليس هو ”روح العبوديّة“ بل ”روح التّبنّي“ (راجع رومية 8: 14 و15). بالمسيح صرنا ورثه الدّهر الآتي منذ الآن بالرّوح القدس السّاكن فينا بالمسيح. نحن نعيش زمن حياتنا محتفظين من الشَّرّ وصانعين ما يرضي الرَّبّ عبر طاعة وصاياه. يتجدَّد الوجود بكلمة الله الّتي هي مصدر الحياة الأبديَّة (راجع يوحنا 6: 68)، بالنّسبة لنا في هذا الدَّهر وهذا العالم… وفي الدَّهر الآتي لأنّ ”الكلمة الإلهيّ“ هو طعام الأبديَّة…

من هنا، فالمسيحيّ يحيا في هذا العالم مع كونه يأتي من فوق بالمسيح في الرّوح القدس، وهو يأتي فوق مع كونه في العالم بالرّوح القدس في المسيح. المسيحيّ المقصود ليس من يحيا مسيحيّته سطحيًّا واجتماعيًّا بل هو من ”يبذل دمًا ليقتني روحًا“، أي هو المسكوب بالطَّاعة لله حبًّا باذِلًا، في سلام التّوبة المتأتّي من الاتّضاع المنبثق من ”إخلاء الذّات“ (راجع فيليبي 2: 7) بواسطة تسليم المشيئة لله.

*             *             *

”بَيْنَ الْغَدَاةِ إِلَى الْعَشِيِّ يَتَغَيَّرُ الزَّمَانُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَرِيعُ التَّحَوُّلِ أَمَامَ الرَّبِّ“ (سيراخ 18: 26). الله وحده الثّابت. كلّ ما عداه متحوّل ومتغيِّر.

الأمان يأتي من الثَّابت الَّذي هو قادر أن يحوِّل المتغيِّرات من الشّرّ إلى الخير ومن الموت إلى الحياة. الرَّبُّ وحده هو السّيّد الكلّيّ السّلطان والقادر على كلّ شيء والضّابط الكلّ. من ينتظر الظّروف والبشر فقط لتغيير حياته يبنيها على الرّمال المتحرِّكة، وهي إلى خراب لا محالة… أمَّا الَّذي يبني حياته على صخرة الإيمان بيسوع المسيح ابن الله المتجسِّد فهو الَّذي يحفظها من الدّمار والانحلال. هذه هي خبرة الإيمان لأنَّنا واثقون بالَّذي أحبنا وبذل نفسه من أجلنا بأنّه لن يتركنا نُجرَّب فوق الطّاقة بل يمنحنا المخارج لضيقاتنا في أوانها بحسب سابق معرفته الإلهيَّة.

*             *             *

أيُّها الأحبَّاء، من ظنَّ إنّ الحياة هي فقط في هذا العالم سيبقى معلَّقًا ”بحبال الهواء“ في بحثه عن مستقبله بالعرافة والتّنجيم وضرب المندل، وهذا كلّه ضلال ولجوء إلى الشّياطين. هكذا يستبيح الإنسان قلبه ليصير مسرحًا لإبليس. أمّا نحن المؤمنون، فلا يكن بيننا هكذا، بل بالإيمان والاتّكال على الله نضمن حياتنا ونعرف مستقبلنا، لأنَّ الرَّبّ يقول لنا صراحة: ”اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ“ (متّى 6: 33—34). أتريد أن تعرف غدك؟ اعرف نفسك اليوم من أنت، وكيف تعيش، وهل ترضي الرّبّ؟ إن أرضيت ذاتك فلست ترضي الله، ما لم تكن قد سبقت وأفرغت كيانك من أناك وصار المسيح لك هو ”الكلّ في الكلّ“ (1 كورنثوس 15: 28).

المؤمن بالمسيح يأتي دومًا من الملكوت إلى العالم لأنّه يضع نصب عينيه وفي قلبه أن يطيع الرّبّ. ومن يطيع الرّبّ يحيا بروحه القدّوس أي هو شبيه بالله في صفاته بعمل النّعمة الإلهيّة الّتي فيه. فهو وديع مع حزم، ومستقيم مع تمييز، وصادق مع رحمة، ومتّكل على الله بدون كسل، وخدوم بدون مديح، وكريم بلا مِنَّة، ومسامِحٌ بالكلّيّة، وواثق بالله بدون كبرياء. هو يطلب معرفة الله أوَّلًا وأخيرًا، ولذلك هو يحيا في تجدُّد دائم بالتّوبة في عبور مستمرّ من العتاقة الكيانيّة إلى جِدَّة الحياة… ولذلك، هو حرٌّ من تقادم الزّمان ومن حدود المكان…

ومن استطاع أن يقبل فليقبل…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة