Menu Close

نشرة كنيستي- أحد الفرِّيسيّ والعشَّار- العدد 6

الأحد 09 شباط 2020

كلمة الرَّاعي

الرَّبيع الرُّوحيّ

زمن التّريودي

“وَلكِنِ الآنَ، يَقُولُ الرَّبُّ، ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ. وَمَزِّقُوا قُلُوبَكُمْ لاَ ثِيَابَكُمْ. ارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ لأَنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّأْفَةِ وَيَنْدَمُ عَلَى الشَّرِّ …” (يوئيل 2: 12—13).

بهذه الأقوال يُفتَتَحُ كتاب التّريودي، أي المُثَلَّث التَّسابيح، الّذي يُستعمل للخِدَم اليَوميَّة في زمن الصَّوم الكبير. لقد أتى زمن التّوبة بامتياز، الّذي تساعدنا فيه الكنيسة بخلاصة خبرة آبائها حول تجديد الحياة في المسيح عبر الرّجوع إلى الذّات وتنقيتها بمواجهتها مع حقيقتها السّاقطة أي أهواءها وخطاياها الّتي تتحكّم بها. لا شكّ أن الكثيرين، ربّما، لا يعرفون كيف يميِّزون أهواءهم وشهواتهم ويحكموا على أنفسهم، دون تبريرٍ للذّات، حين يطلبون الخطيئة أو ينخدعون بها. عصارة خبرة القدّيسين في التّوبة نجدها في صلوات الكنيسة المقدَّسة في هذا الزّمن المبارَك، ولا سيّما في كتاب التّريودي. لذلك، ننصح كلّ بيت مؤمن باقتنائه والاغتذاء منه يوميًّا في زمن الصّوم الكبير.

*          *          *

الأحد الأوّل من التّريودي هو أتون التّوبة الّذي تُدخلنا فيه الكنيسة المقدَّسة من خلال مثل الفرّيسيّ والعشّار. الأوّل معتزٌّ إلى حدّ الانتفاخ ببرّه وحبّ الظّهور والآخَر مسحوق إلى حدِّ الاختفاء بخطيئته ورغبته بالاختباء من عين كلّ بشر ويحترق بنار ألم اكتشافه الكبير والسّرّي لحقيقته المقيتة والبائسة …

المصيبة الكبرى الّتي يمكن أن يقع فيها إنسان هي أن يظنّ نفسه في الوسط، وسط الوجود لمن حوله، وأن يعتقد بأنّه يستطيع أن يُرضي الله بأعمال خارجيّة لا تصدر عن قلبٍ محبّ ومتواضع. هكذا أظهَرَ، هذا المثل، الفريسيّ. هذه ليست شخصيّة خياليّة بل حقيقيّة، أكثر ممّا يمكن لنا أن نتصوّر، لأنّها موجودة في داخل كلّ واحد منّا. كيف ذلك؟! … سأقول لكم. لنكتشف هذا الأمر علينا أن نسلك درب فحص النّفس بالإجابة على الأسئلة التّالية:

هل حين تصلّي تفرح بنفسك أنّك أتممت ما يجب عليك فعله، أم أنّ الصَّلاة تجعلك ترى خطاياك وزلّاتك …؟ هل حين تساعد أحدًا تفرح لأنّك ساعدته أم تفرح لأنّه تعزّى؟ هل حين تخدم أحدًا وتبذل أمامه تفكّر في نفسك بأنّك محبّ وخدوم وترى أنّ لك فضلًا على من خدمت؟ هل حين ترى إنسانًا معروفة خطاياه وضعفاته أمام النّاس ترى نفسك أفضل منه؟ هل حين تكون بين النّاس تطلب اهتمامهم أم تهتمّ بهم؟ هل أنت قادر أن تعطي من حاجاتك وأموالك بسهولة وتفرح لذلك؟ هل أنت قادر أن لا تتكلّم على إنسان بالسّوء؟ هل أنت قادر أن ترى أخطاء النّاس وتبرِّر لهم لا  أن تدينهم؟ هل تقبل انتقادًا من أي إنسان؟ هل تستر على خطايا الآخَرين؟ هل تعرف خطاياك؟ … إجاباتك على هذه الأسئلة وغيرها تعطيك فكرة عن حقيقتك الدّاخليّة ووضعك  الرّوحيّ ومدى اتّضاعك وتكبّرك، مدى أنانيّتك ومدى محبّتك، مدى توبتك ومدى قسوة قلبك …

*          *          *

أيّها الأحبّاء، الحياة الرّوحيّة الجدّيّة فيها بذل دم وتعب وألم لكيما يتحرَّر الإنسان من قيود عتاقته. الطّريق بسيط وواضح: طاعة الوصيّة الإلهيّة. لا رأي ولا مشيئة ولا حكمة تعلو على وصية الرَّبّ: ”اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي (…) إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا. اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي“ (يوحنا 14: 21 – 24).

التّوبة ليست عملًا للجبناء بل هي سيرة الأبطال، هي ليست للّذين يتمسّكون بحرف الشّريعة الإلهيّة بل للّذين يطلبون وجه الله، هي ليست عمل يوم بل جهاد كلّ يوم إلى أن نعود إلى الّذي أبدعنا …

التّوبة هي سيرة الّذين يقولون للرَّبّ: ”لأَنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ الْيَوْمَ كُلَّهُ“. إنّها إماتة طوعيّة لأفكار الإنسان الدَّهريّة وأهوائه الإنسانيّة الّتي، ربّما، يعتبرها أهل العالم شطارة وحذقًا ونجاحًا وقوّة. طريق الرَّبّ لا ينسجم مع طريق العالم. هذا هو السّؤال الكبير الّذي على المؤمن أن يُجيب عليه: هل تطلب مجد الله فيك أم تطلب مجد النّاس لك؟!

اِعْقِلْ وقرّر لأنَّ في خيارك حياتك أو موتك! …

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة