Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (19) بعد العنصرة- العدد 42

الأحد 18 تشرين الأوَّل 2020

كلمة الرَّاعي

الدَّينونة

”يومَ يَدينُ الله سرائرَ الناسِ“ (رومية 2: 16)

ليست الدّينونة بحسب الظّواهر بل بحسب الكوامِن الخَفيّة في قلوب البشر. البشر يحيَوْن للبشـر، بعامّة، ناسين أنّ حياتهم هي من الله وليست من مخلوق. يسجد البشر لما ليس آلهة، للَّحم والدّم، لأنّهم يطلبون القوّة والسّلطة ومتى وجدوها عند غيرهم استعبدوا أنفسهم لها. بائس هو الإنسان الَّذي لا يعرف أنّ الله ”يدين سرائر النّاس“.

البشر، بعامّة، ديّانون. والَّذي يَدين يُدان بالطّريقة نفسِها: ”لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ“ (لوقا 6: 38). البشر لا يعرفون خفايا القلوب أمّا الله فيعرف كلّ شيء، هو ”فَاحِصُ الْقُلُوبِ وَالْكُلَى“ (مزمور 7: 9).

*        *        *

كيف يَديننا الله وعلى ماذا سيحاسبنا؟

”لاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَـى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ“ (لوقا 6: 37). من لا يضع أحكامًا مُبرَمَة على البشر، على أشخاصهم، بل يبحث عن تبريرات لهم في سقطاتهم ليتّعظ هو ويحافظ على نفسه، لا يَدينه الله لأنّه هو نفسه لا يَدين الآخَرين. أمّا من يأخذ النّاس بزلَّاتهم، انطلاقًا من مقاييسه للحقّ خارج المحبّة، فحقّه باطل. كيف يستطيع المرء أن يَدين آخَر وهو لا يعرف نفسه؟! كيف يستطيع أن يميّز الحقّ من الباطل وهو لم يتنقَّ بعد؟! أساس القدرة على الحكم هو التّمييز، والتّمييز عطيّة الله للطّاهرين. من لم يتطهّر قلبه ويتنقَّ من أهوائه لا يستطيع أن يميِّز الأمور بِعَيْنِ الله: ”وأمَّا (الإنسان) الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لاَ يُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ“ (1 كورنثوس 2: 15).

العمل الرّوحيّ أساسه السّعي إلى خلاص الإنسان الخاطئ وليس إلى الحكم عليه. الرَّبّ يسوع قال: ”لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ“ (مرقس 2: 7). من لا يرى نفسه مريضًا وخاطئًا لا يحتاج إلى الرَّبِّ يسوع المسيح، إنّه مكتفٍ بنفسه. هذا هو الدّيان من النّاس من كان مكتفيًا من ذاته وبها وفيها. هو لا يعرف أن يطلب المغفرة وبالتّالي هو غير قادر أن يغفِر.

من له ناموس هو مُدان بالنّاموس، لأنّ النّاموس لا يجلب الخلاص بل يجلب اللّعنة لأنّه لا يوجد إنسانٌ قادرٌ أن يتمِّم كلّ ما في النّاموس: ”لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ“ (رومية 3: 20). أمّا الَّذي بلا ناموس فله الكَوْن عربون حبّ الخالق ودليل أعماله الفائقة الصّلاح للبشر: ”لأَنَّ أُمُورهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ“ (رومية 1: 20).

في كلّ الأحوال، الدّينونة على قدر العَطيّة، فإذا كان الَّذين ما زالوا في ظلال النّاموس أو الّذين هم تحت حكم الضّمير الإنسانيّ لا أعذارَ لهم فكم تكون دينونتنا نحن المسيحيّين الَّذين كُشف لنا كلّ شيء في المسيح يسوع؟!

*        *        *

أيُّها الأحبّاء، لا نخدع أنفسنا ولا ندَّعِ ما لسنا إيّاه، بل فلنتواضع بالصّلاة والصّوم والجهاد الرّوحيّ، ولْندنْ أنفسَنا لكي يبرِّرنا الله لأنّه هو الَّذي يعرف كلّ شيء عنّا أكثر منّا، وهو رحيم يقبل التّائب في كلّ حين. ولنغفر ونسامح ولا نحكم على إنسان، بل فلنترك الدّينونة لله. فلندخل بالتّوبة إلى سرّ الإنسان ولنحمل كلّ البشريّة في توبتنا، لأنّ خطايانا تمتدّ في العالم لتزيد شرَّه وبرّنا يمتدّ فيه أيضًا ليزيد خيره.

مسؤوليّتنا كمؤمنين بالمسيح أن نزيد الإيجابيّة والنّور في العالم، لأنّ الشّرير يبعث في العالم فسادًا ودمارًا وخرابًا مريدًا إبادة الجنس البشريّ. فلنكن من أبناء النّور ونحمل العالم المتألّم صالبين خطاياه على صليب المسيح لكيما يحملنا المسيح فيه على الصّليب مخلِّصًا العالم فينا ومانحًا الغفران لطالبيه.

دينونة المسيح نار حبٍّ إلهيّ تحرق الأشرار وتمنح الدّفء والحنان للأبرار. الشّرير هو من يدين غيره والبارّ هو مَن يَدين نفسه…

ومن استطاع أن يَقْبَل فليَقْبَل

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة