نشرة كنيستي- أحد مرفع اللَّحم (الدَّينونة)- العدد 7
الأحد 15 شباط 2026
كلمة الرّاعي
الدَّينونة العامَّة ومعرفة الله
“اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1: 18).
الله لم يُعرَف أنَّه ثالوث إلَّا بيسوع المسيح ابن الله المتجسِّد. الله لم يُكشَف أنَّه محبَّة إلَّا بنعمة الرُّوح القدس للَّذين قَبِلوا إعلان خلاصه… سرُّ الله لا يُدرَك بالعقل ولا يُفهَم بالعلم البشريّ بل يُدرَك في سِرِّ القلب الطَّاهر بروح الله… المسيح أتى لكي ينقلنا من الظُّلمة إلى النُّور ومن الباطل إلى الحَقّ ومن الجهل إلى المعرفة… معرفة الله اختبارٌ كيانيّ لحضوره وتذوّق لنعمة سكناه في الإنسان… بيسوع المسيح صار هذا الأمر ممكنًا، لأنّ الله صار ما لم يكن لكي يصير الإنسان ما شاء له الله أن يكون… لذلك، “هذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.” (يو 3: 19).
* * *
بعامَّةٍ، يظنُّ النَّاس أنَّ الشَّرَّ هو أن تصنع الشَّرّ، لكن ما هو واضحٌ من إنجيل هذا الأحد (مت 25: 31 – 46) أنّك تصنع الشَّرَّ في كلِّ مرَّةٍ تستطيع فيها أن تعمل الخير أو الرَّحمة وتغلق قبلك عن ذلك… من لا يصنع الخير حين يستطيع فهو صانعُ شرّ… ومعرفة الله بالفطرة الإنسانيَّة أي بصورة الله المخبوءة في كلِّ إنسان الَّتي تتجلَّى في الرَّحمة وفي تحرُّك القلب أمام ألم الآخَر وتجسيد هذه الحركة الدَّاخليَّة عملًا خارجيًّا واهتمامًا فعليًّا… فمن تحرّكت أحشاؤه ولم يُجسِّد هذه الرَّحمة يجلب على نفسه دينونةً لأنَّه أدرك ما المطلوب منه ولم يحقِّقه… الإيمان هو حركةٌ قلبيَّة وفعلٌ عمليّ… المؤمن يعرف ما تطلبه منه الوصيَّة الإلهيَّة ويُجَسِّد فعلَ محبَّة تجاه الآخَر مُدركًا أنّه مهما فعل فلا فضل له بل الفضل للنِّعْمَة، وهكذا يحفظ النِّعْمَة فيه بالاتِّضاع… أمَّا الَّذي لم يعرف الله بعد كما كُشف في يسوع المسيح، ويصنع الرَّحمة في كلِّ حالٍ، فقد عرف الله كما من وراء الحجاب، وكلَّما ازداد في أعمال الرَّحمة كلّما ازداد شوقه إلى وجه الإله وصرخ مع داود النَّبيّ قائلًا: “قُلْتَ اطْلُبُوا وَجْهِي. لَكَ قَالَ قَلْبِي: وَجْهَكَ يَا رَبُّ أَنا أَلْتَمِس” (مزمور 27: 8).
* * *
يا أحبَّة، استعدادنا لدخول الصَّوْم المقدَّس مرتبط بتغيير نظرتنا إلى الحياة وأن ندرك “إِنَّ الطَّعَامَ لا يُقَرِّبُنَا إِلَى اللهِ لِأَنَّا، إِنْ أَكَلْنَا لا نَزِيدُ، وَإِنْ لَـمْ نَأْكُلْ لا نَنْقُصُ” (1 كو 8: 8)، وأنَّ ما يجعلنا نزيد أو ننقص في الكيان هو علاقتنا مع الله الَّتي نكتشف عمقها من خلال علاقتنا مع الآخَر. أنْ نَصوم هو أنْ نرغب بالتَّقرُّب إلى الله وأن نصنع ما يساعدنا على ذلك من خلال أعمال الجسد والرُّوح على الصَّعيد الشَّخصيّ، ومِن خلال ترجمة هذه الأعمال في علاقتنا مع الإخوة… كلّ إخوة الرَّبّ… أن نطلب الاقتراب أكثر إلى الله يعني أن نطلب نقاوة القلب لكي تتحرَّر نظرتنا إلى الآخَر من كلّ هوًى وشهوة فنرى فيه وجه يسوع أكان هذا الوجه مُدمًّى بالألم أم مُشرقًا كالشَّمس بالبِرّ… التَّدريبات الجسديَّة بالانقطاع عن اللُّحوم والزَّفَر، السَّجدات والسَّهر في الصَّلاة، كلّها تمارين تساعدنا على التَّركيز على الأهمّ وهو الرَّبّ، وهي بحدّ ذاتها تعبير عن محبَّةٍ وشَوْقٍ إليه، وهذه هي القوَّة الدَّافعة وراء هذه الأعمال من العمل (praxis) والتَّأمُّل (theoria). هذا كلّه لكي نمتلئ بالنُّور ونطرد الظُّلمة الَّتي فينا بالنِّعْمَة الإلهيَّة الَّتي نطلبها في الصَّوْم والصَّلاة، والَّتي نترجمها في أعمال المحبَّة والرَّحمة… هذا نفعله عن معرفة وهذه أكبر نعمة، لأنَّنا إنْ عرفنا هذا نمتلئ فرحًا بالرَّبِّ، وبمعرفة الله نَدين أنفسنا في تقصيرنا وضعفاتنا وخطايانا ونمتلئ من رحمة الله حين يمنحنا الله أن نصنع أعمال الرَّحمة لمجد اسمه القدُّوس ليُحرِّرنا من دينونة الدَّهر الآتي إنْ عرَفنَاه محبوبًا ومخدومًا ومكرَّمًا في وجه إخوته الصِّغار الَّذين يمنحنا بواسطة خدمتهم عُتقًا من خطايانا ومن الدَّينونة الآتية…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما