Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد العنصرة- العدد 28

الأحد 12 تمُّوز 2020

كلمة الرَّاعي

الخلاصُ ببِرِّ الإيمان

”بالقلبِ يُؤْمَنُ للبِرِّ وبالفَمِ يُعتَرَفُ للخلاص“ (رومية 10: 10)

الإيمان لا ينافي المنطق ولكنّه لا يخضع للمنطق أيضًا. الإيمان لا يُدرَك بالعقل مع أنّه يُتعاطى بواسطة العقل أيضًا. هذه مستويات أولى بدائيّة في النّظرة إلى الإيمان.

”يا بنيّ أعطني قلبك، ولتُلاحِظ عيناك طرقي“ (أمثال 23: 26). هنا ندخل في صلب الإيمان، أي في القلب، في أعماق كيان الإنسان، في عرش القلب أي الذّهن (Νούς)، حيث يختبر الإنسان عيش كلمة الله في هذه المواجهة بين كلمته وكلمة العليّ ومشيئته ومشيئة الباري… بواسطة القلب يعرف الإنسانُ اللهَ معرفة حقَّانيَّة في سرّ النّعمة، ”لأنّ الإيمان ليس للجميع“ (2 تسالونيكي 3: 2)، كون صانع الشّرّ لا إيمان له… لأنّ ”من لا يحبّ لم يعرف الله، لأنّ الله محبّة“ (1 يوحنا 4: 8).

*          *          *

غاية البِرّ الّذي في النّاموس كانت التّحضير لمجيء المسيح، وغاية البرّ الّذي في المسيح هو الحياة الأبديّة. برّ النّاموس، أي أعمال النّاموس، أي تطبيق فرائض الشّريعة غايتها، جميعًا، تهيئة شعب الله لقبول حضور المسيح بالجسد من البتول. لذلك، حين يأتي المسيح يكتمل النّاموس ويبدأ عهد النّعمة الّتي بالإيمان وزمن الإيمان الَّذي بالنّعمة كعطيّة مجانيّة من الله للّذين يقبلون يسوع المسيح ابنًا لله ومخلِّصًا لهم من الخطيئة والموت.

برّ العهد القديم أحكام وشرائع ملهمة من الله لاقتياد الإنسان إلى التّوقّف عن صنع الشّرّ وضرورة صنع الخير كرفض للشّرّ وطلب لطاعة الله. التّأديب والعقاب من صلب الشّريعة القديمة لأنّه لا حدود لخطيئة البشريّة ما لم تُقمَع بالقوّة. الخوف من العقاب كان جزءًا أساسيًّا من برّ الشّريعة، كما الرّغبة بالثّواب كان دافعًا لطاعة النّاموس: ”أنظر. أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة: البركة إذا سمعتم لوصايا الرّبّ إلهكم (…) واللّعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرّبّ إلهكم …“ (تثنية 11: 27—28). البشر، اليوم، لم يتغيَّروا كثيرًا في نظرتهم لله عن مفهوم الثّواب والعقاب، إذ من لم يختبر فعل النّعمة الإلهيّة في حياته لا يستطيع أن يعترف بفرح الخلاص، لأنّ النّاموس لا يخلِّص بل يكشف الخطيئة ”لأنّه بأعمال النّاموس كلّ ذي جسدٍ لا يتبرّر أمامه. لأن بالنّاموس معرفة الخطيئة“ (رومية 3: 20).

*          *          *

أيّها الأحبّاء، بيسوع المسيح أُكمِل النّاموس وخُتِم عليه للّذين آمنوا بابن الله المتجسّد، إذ لم يعودوا تحت سلطانه لأنّ البِرّ الّذي بالإيمان بالمخلِّص قد حضر، وهذا بِرّ النّعمة الإلهيّة المنسكبة على الإنسان بالرّوح القدس المُجَدِّد طبيعة البشر عبر إِتْحَادِها بالله في جسد المسيح.

يحيا الإنسان في القلب حرب الإيمان الّذي بالنّعمة مع ناموس الخطيئة الّذي في جسده. ”الجسد“ يطلب برّ الشّريعة لأنّه شرّير وساقِط، ظنًّا منه أنّه قادر على الاحتيال على النّاموس، فيسقط في دوّامة الموت بدينونة الضّمير أمام الله. أمّا ”الرّوح“ فيطلب برّ الإيمان الّذي بالمسيح يسوع، أي التّوبة الّتي تُدخلنا في خبرة الموت والقيامة عبر الغلبة في القلب على محبَّة الذّات ببذلها طاعة للمسيح حبًّا به…

إذا لم يعرف الإنسان بعقله ويقتنع في قلبه أن لا خلاص له بشريعة وناموس، وإذا لم يفهم أنّه عدم لولا مشيئة الرّبّ، وإذا لم يُدرك أنّه لا شيء بدون الإله وقد حصل على كلّ شيء، بالمسيح يسوع ابن الله المتجسّد، نعمةً وحبًّا مجَّانيًّا فلن يستطيع أن يؤمن بقلبه ويعترف بلسانه بعطيّة الله ولن يتذوّق خبرة ملكوت الله الآن ولعلّه يسير في الطّريق المؤدّي إلى الموت الأبديّ…

”رنّموا للرّبّ، باركوا اسمه، بشّروا من يوم إلى يوم بخلاص (إلهنا)“ (مزمور 96: 2). هذه هي ثمرة برّ الإيمان، أي الاعتراف بيسوع المسيح مخلصًا.

ومن له اذنان للسّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة