نشرة كنيستي- الأحد (16) بعد العنصرة- العدد 39
الأحد 27 أيلول 2020
كلمة الرَّاعي
التّوبة وتحدّيات العولمة
“تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ، لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلهِي” (إرمياء 31: 18)
يحثّنا القدّيس سلوان الآثوسيّ على التَّوبة قائلًا: “توبوامادامَ هناكَ وقتٌ للتَّوبةِ بعد!فالله ينتظر توبتنا برحمةٍ، وكلُّ السَّماء وجميع القدِّيسين ينتظرون أيضًا هذه التَّوبة”.
ما الَّذي يدفع الإنسان إلى التَّوبة؟ في البدء الخوف، أخيرًا الحبّ.
هل يخاف إنسان اليوم الله؟! قلّة لديها مخافة الله، وتفهم قول بولس الرَّسُول: “مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!” (عبرانيين 10: 31).هذا العصر الّذي نعيش فيه هو عصر الإلحاد العمليّ من خلال اللَّاحِسّ. إنسان الزّمن الحاضِر يُربَّى على مِحْوَريّة ذاته وحاجاته. بشكلٍ عام، فَسُدَت التّربية بسبب نموّ الفردانيّة في علاقة الإنسان بالآخَر، حتّى في البيت الواحد بين الرّجل وزوجته وبين الأولاد واحدهم مع الآخَر وبين الأهل والأولاد. العولمة الاستهلاكيّة تسعى لقَوْلَبة البشر على شبه بعضهم البعض في خبث حرّيّة شيطانيّة تدمّر المحبّة والنّقاوة في الإنسان وتشكّله على صورة أهواء السُّقوط: “زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ” (غلاطية 5: 19 – 21). باسم الحرّيّة صارت الخطيئة “حَقًّا” للإنسان وممارسة لـ”إنسانيّته”، وكأنّه لا يكون إنسانًا وحرًّا ما لم يلغي ارتباطه أو التزامه بكلّ مبدأ أخلاقيّأو إيمانيّ، وكأنّ الإيمان والأخلاق والمبادئ المُستوحاة منه “تُقيِّد” حرّيَّته.
* * *
إنسان اليوم، الخاضع لغسل دماغ العولمة، بعيد عن مفهوم التّوبة، إذ بالنّسبة إليه “كلّ شيء مُباح ومُتاح”. الحقيقة هي أنّه عبد للّذين يستهلكونه ويجعلونه مُستهلِكًا لذاته وللّذين في حياته. الله غائب عن حياته لأنّه هو الله بالنّسبة لنفسه. هكذا تزرع العولمة هذا الفكر في الإنسان من خلال ما تسوّقه له من أفكارٍ ومفاهيمٍ ومبادئ أساسها أنّه هو المبدأ والمنتهى، هو يُحدِّد الحقَّ من الباطل والصّحيح من الخطأ. لم يعد يقبل الإنسان نقدًا من أحد، ما يجمعه في نفسه بحسب ما يستسيغه هو مقياسه وأساس مبادئه. وربّما نجد الكثيرين ممَّن يعتبرون أنفسهم مؤمنين مخدوعين من ذواتهم وهم بالحقيقة لأناهم عابدين. وهذا سبب استشراء الفساد في بلادنا والعالم وأساس خراب المجتمعات والدُّوَل.
من أين يُمكن لإنسان مُنْشَئٍ بهذه الطّريقة أن يتوب؟!… “قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: ’لَيْسَ إِلهٌ‛. فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا” (مزمور 14: 1). حتّى الألم والموت صارا في “ثقافة” هذا العصر مسألتَين عاديَّتَين لكثرة ما يُنشر من المشاهد حول أوجاع النّاس وقتلهم والتّدمير والخراب. الجنس والعنف هما “ثقافة” العولمة الّتي تغزو المسكونة ومن فيها. هذا هو الاستهلاك الوجوديّ المُبيد للإنسانيّة. العولمة تخلق وُحُوشًا بِهَيْئة بشر. الإنسان يضيع في غياهب عبادة الذّات بحبّ المَلذّات.
* * *
أيّها الأحبّاء، علينا كمؤمنين ألَّا نستسلم للحرب الحاصلة علينا بسبب سعينا لعيش إيماننا من خلال جهاد التَّوبة لاقتناء الفضائل بنعمة الله. لا نخجلنَّ من وصيّة الرَّبّ لأنّ فيها حياتنا وقيامتنا وغلبتنا. تحدّياتنا كبيرة، ولكن فلنتمسَّك بثقتنا بالله لأنّه أمين أن يعيننا. هذا زمن الشّهادة بامتياز لأنّه مطلوب منّا أن نموت باستمرار عن كلّ ما يعرضه علينا العالم ويكون مُخالِفًا للكلمة الإلهيّة. لا شكّ أن المسألة صعبة حين يكون منطق الّذين حولنا هو منطق نفعيّ أنانيّ مصلحيّ.
لا خلاص للإنسان من اضطرابه الكيانيّ إلّا بالتّوبة، لأنّها تحقيق لمصالحة الإنسان مع نفسه ووجوده، ومع الآخَر ومع الله. لا شيء في الوجود يمنح الإنسان استقرارًا وفرحًا وسلامًا داخليًّا، فقط حضور الله وعيش المحبّة الإلهيّة يهبنا هذه النِّعَم الثَّلاث. إنسان العالم قلق متوتّر متقلقل غير مُبالٍ إلّا بنفسه، واليأس يُوصِل الكثيرين إلى عدم الاكتراث لحياتهم أيضًا. لا نسقطنّ في الاحباط والكآبة واليأس بسبب عدم إمكانيّتنا مجاراة العالم، بل بالعكس فلنتعاضد ولنتعاون ولنتشارك روح الإيمان ونشجّع بعضنا البعض على الثّبات في عَيْش وصيّة الرَّبّ بتقويم حياتنا وطريقنا وأهدافنا وفكرنا وقلبنا من خلال التّوبة. نحن أبناء الرَّجاء، ومتى غلبنا أنفسنا أي حين نتوب وتتغيّر حياتنا بنعمة الله ننظر إلى وجودنا على أنّه نعمة رغم الصّعوبات والتّجارب، “تَشَدَّدُوا لاَ تَخَافُوا. هُوَذَا إِلهُكُمُ. الانْتِقَامُ يَأْتِي. جِزَاءُ اللهِ. هُوَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُكُمْ” (اشعياء 35: 4).
“أيّها السَّيِّد، كلّ الشّعوب هي صنع يديك… أَمِلْ قلوبَهم عن الحقد والشرّ باتّجاه التّوبة… حتّى يعرفوا كلّهم حنانك …” (القدّيس سلوان الآثوسيّ). عولمة الكنيسة هي روح التّوبة الّتي تفتح كيان الإنسان لتقبُّل محبّة الله حنانًا في غفرانه وفرحه وسلامه وحريّته … ولعيش سرّ الشّركة في البذل والعطاء والمُسامَحة…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما