Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (11) بعد العنصرة- العدد 34

23 آب 2020

كلمة الرَّاعي

البُنوّة في المسيح

كلّ من اعتمد على اسم الثّالوث القدّوس صار ابنًا لله بالتّبنّي في يسوع المسيح، لأنّ من يعتمد يلبس المسيح. هذا، من ناحية، يعني أنّه يلبس قوّة من العلاء، نعمة الثّالوث القدّوس الّتي تسكن في الإنسان وتجعله شبيهًا بالله في صفاته. من ناحية أخرى، تُحمِّل هذه المعموديّة والنّعمة الّتي ترافقها الإنسان مسؤوليّة كبرى إذ لا يحقّ له بعد أن صار ابنًا لله أن يعود ليصير ابنًا للجسد، لأنّ من وُلد من الله (راجع يوحنّا 1: 13) لا يستطيع، بعدُ، أن يكون ابنًا للّحم والدّم.

*          *          *

في المسيح يسوع، ابن الله المُتجسّد والقائم من بين الأموات، صرنا من أبناء ملكوت السّماوات بسبب تبنّينا من الله في ابنه، ممّا يستتبع أنّنا نحيا بالرّوح القدس، وثمار الرّوح هي: ”مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ“ (غلاطية 5: 22 و23). هذه هي صفات الإنسان المسيحيّ. طبعًا، نحن أُعطينا هذه الصّفات في أسرار الدّخول إلى الكنيسة (المعموديّة، المَيرون والمناولة المُقَدّسة) بواسطة روح الرَّبّ الّذي سكن فينا كوننا صرنا على صورة ابن الله. ”النّعمة الإلهيّة الّتي للنّاقصين تُكمِّل“ (من خدمة الرّسامات للدّرجات الإكليريكيّة) سكنت في طبيعتنا البشريّة، لكنّها بحاجة إلى تفعيل لأنّ نعمة الله مرتبطة بمشيئته، ومشيئتنا تحدِّد للنّعمة مجال عملها فينا، لأنّ حياتنا مع الله مبنيّة على مبدأ التّآزر (Synergia) المرتبط بالمشيئة الحُرَّة للإنسان في علاقته مع الرَّبّ.

*          *          *

ما أسهل أن ندّعي بنوّتنا لله بالكلام، ولكن هل نفقه مدى عِظَم هذه المسؤوليّة؟ نعم، إنّها مسؤوليّة أمام الله لأنّنا مؤتمنون على نعمته الإلهيّة وعلى كلمة بشارته. كيف يكون الإنسان ابنًا للرَّبّ وهو لا يصنع أعمال أبيه؟!… ليست المسيحيّة شعارات ومشاعر إنّها إيمان وأفعال تليق بكوننا أبناء الله. وأمّا عمل الله فقد كشفه لنا الرَّبّ يسوع المسيح أنّه عمل الآب، ”لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلَّا مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ. لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ …“ (يوحنّا 5: 19 و20). هكذا نحن نفعل، ما نرى يسوع يعمله نعمله بدورنا بقوّة المسيح الّتي بنعمة الرُّوح القدس السّاكن فينا… ما هو عمل يسوع؟ أن يصنع مشيئة أبيه (راجع يوحنّا 5: 30). وما هي مشيئة الآب؟ ”أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ“ (1 تيم 2: 4). الإنسان المسيحيّ يطلب الحَقّ ويحيا فيه ويسعى إليه عبر طاعة الكلمة الإلهيّة وعيشها بتَنزُّل القوى الثّالوثيّة غير المخلوقة عليه من الآب في الابن بالرُّوح القدس. من هنا، ليست المسيحيّة أخلاقًا بل روحًا مُحييًا، حياةً جديدة في المسيح القائم من بين الأموات والغالب الموت والخطيئة وكلّ شرّ. من صار ابنًا لله في المسيح يموت عن مشيئته وكبريائه وأنانيّته ويسلك في درب المحبّة الّتي علّمنا إيّاها قدوتنا المسيح يسوع الإنسان الوسيط الوحيد بين الله والبشر (راجع 1 تيم 2: 5). من هنا، لا يصير المسيحيّ ابنًا لله ما لم يتشبّه بيسوع، ولا يستطيع أحد أن يتمثَّل بيسوع ما لم يسكن فيه روحه. بناء عليه، بنوّتنا لله هي حياة على شبه حياة ابن الله الوحيد فيما بيننا…

*          *          *

أيّها الأحبّاء، ما معنى هذه الحياة دون المحبّة والسّلام والفرح؟! … ما قيمة الإنسان لو لم يكن على صورة الله ويسكن فيه روحه؟! … يا إنسان أنت لست سوى ”تراب ورماد“ (تكوين 18: 27) دون روح الله … ربُّ السّماء والأرض وخالق الكلّ تنازل ”آخذًا صورة عبدٍ“ (في 2: 7) فمن أنت لتستكبر على الآخَرين أو تظنَّ نفسك أفضل منهم؟! … أَوَ تعتقد بأنّك أفهم وأجمل وأذكى واغنى وأقوى … من غيرك … ما هذا سوى ”قبض الرّيح“ (جامعة 1: 14). ابن الله هو التّقيّ، والأقرب إلى الخالق هو الأتقى، والأتقى هو الأكثر تواضعًا ووداعة، ولا يتواضع إنسان ما لم يدرك هشاشته ومعطوبيّته وبعده كلّ البعد عن صنع مشيئة الله بسبب عبوديّته لأهوائه وغرقه في الخطيئة والحياة الّتي بحسب العالم السّاقط … من يعرف هذه الأمور عن نفسه ويستكبر؟! …

اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ …“ (متى 11: 29).

هذا هو مقياس بنوّتنا لله …

ومن استطاع أن يفهم فليفهم! …

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة