Menu Close

نشرة كنيستي- أحد آباء المجمع المسكونيّ السَّابع- العدد 41

الأحد 11 تشرين الأوَّل 2020

كلمة الرَّاعي

إيقونة الله

تعيّد الكنيسة المقدَّسة، هذا الأحد، لآباء المجمع المَسكونيّ السّابع الَّذين أوضحوا الإيمان بما يختصّ بالتّجسُّد الإلهيّ وجواز رسم صورة الرَّبّ المُتأنِّس وقدّيسيه وإكرام أيقوناتهم.

انعقد المجمع المسكونيّ السّابع في مدينة نيقية، بين الرّابع والعشرين من شهر أيلول والثّالث عشر من شهر تشرين الأوّل من العام ٧٨٧ م.، برعاية الإمبراطورة إيريني بصفتها الملكة الوصيّة على ابنها القاصر قسطنطين السّادس. رأس المجمع البطريرك طراسيوس، بطريرك القسطنطنيّة، وحضره ممثّلون عن البابا أدريانوس وبطاركة كلّ من الإسكندريّة وأنطاكية وأورشليم إلى جانب عدد كبير من الرّهبان. وقد أكّد آباء المجمع على تعليم وتقليد الكنيسة الشّريف بما يختصّ بإكرام الأيقونات واستعمالها في العبادة قائلين: ”(…) إنّنا نحافظ على كلّ تقاليد الكنيسة، حتّى يومنا هذا، بلا تغيير أو تبديل. ومن هذه التّقاليد، الصّور الممثِّلَة للأشخاص (…) وهو تقليد مفيد من عدّة وجوه، ولاسيّما أنّه يظهر أنّ تجسّد الكلمة إلهنا، هو حقيقة وليس خيالًا أو تصوّرًا. لأنَّ الصُّور عدا ما فيها من إشارات، وايضاحات، تحرِّك المشاعر الشَّريفة“.

*             *             *

بالحقيقة، الكون يكشف جمال وعظمة وجلال الخالق، لكنّ الإنسان هو المخلوق الوحيد على صورته (راجع تكوين 1: 26 و27). أيقونة الله الّتي خلقها في البدء، أي الإنسان، شَوَّهَت حقيقتها وأَخْفَتْ حضور خالقها فيها، إذ غَارَتْ صورة الله في الإنسان إلى الأعماق الدّاخليّة واحتجبت في ظلمة قلبه وذهنه. لقد تغرَّب الإنسان عن سرّ وجوده فسكن في الزّمكان (Spacetime)* بعد أن كان مشروع ابنٍ للخالق في الأبديّة والسُّكنى في الله.

لمّا خَلَقَ اللهُ الإنسانَ وضع فيه سرَّه إذ خلقه على صورته. آدم الأوّل هو أيقونة الله المصنوعة على مثال ابن الله المتجسِّد الّذي كشف لنا الله الآب، لأنّه هو ”بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ أُقنُومِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ“ (عبرانيين 1: 3). الابن هو الّذي عرَّفنا بالآب، وبالتّالي، وَهَبنا بنعمة روحه القدوس سرّ الحياة الأبديَّة: ”وهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ“ (يوحنا 17: 3).

لن يعرف الإنسان نفسه ما لم يعرف الله الآب، ولن يستطيع الإنسان أن يعرف الله الآب ما لم يعرف المسيح، وغير ممكن للإنسان أن يعرف المسيح بدون نعمة الرّوح القدس…

*             *             *

أيُّها الأحبَّاء، الرّوح القدس هو من يجعلنا على صورة الله لأنّه بواسطته نتَّحد بالمسيح ونلبسه ونحيا به ونتحرَّك (راجع أعمال 17: 28). لم يترك الله خليقته بعيدة عنه ومنفصلة، بل أعادها في ابنه المتجسِّد إلى غاية وجودها أي إلى أن تصيره!… الصّورة الإلهيّة أُعطيت للإنسان في الخلق لأجل الصّيرورة على مثال الله بالسّيرورة في طاعة الوصيّة الإلهيّة المحيِيَة. لذلك، حين رفض الإنسان وصيّة الله قطع نفسه من ”شركة الرّوح القدس“ (2كورنثوس 13: 14) ودخل في دوّامة الموت الكيانيّ والوجوديّ. حين خسر آدم روح الرّبّ صارت كلمة الله دينونة له وحَرَم ذاته من الحياة الأبديّة. الله لم يترك مشروعه للإنسان ولم يتخلَّى عن من تخلّى عنه، فتجسَّد ابن الله الوحيد وصار لنا منظورًا كإنسان كامل وهو الإله الكامل. من هنا، أصبحت النّعمة الإلهيّة مستقرَّة في جسد المسيح وفي كلّ من يتّحد به في المعموديّة المقدّسة والأسرار.

*             *             *

أيُّها الأحبّاء، في المسيح تجدَّدت حقيقتنا الإلهيّة إذ صار تشبُّهنا بالإنسان يسوع المسيح تحقيقًا لغاية الله من خلقنا، تحقيقًا لسرّ الإنسان المتألِّه. في المسيح عاد آدم إلى كونه أيقونة الله النّقيّة: ”مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ“ (يوحنّا 14: 9).

لا عذر لنا، نحن المؤمنين، في أن لا نُظهر المسيح في وجوهنا وحياتنا، لأنّنا اقتنينا روحه ولبسناه في المعموديّة: ”لِأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ“ (غلاطية 3: 27). لقد أُعطانا الله ذاته في ابنه بروحه القدّوس لكي يعود الكون بنا من خلال وحدتنا مع المسيح إلى حقيقته الصّالحة الّتي خُلق عليها.

أيُّها الأحبّاء، مهمّتنا هي تقديس الكون، لأن هذه هي مشيئة الله لنا وللعالم فينا. فلنتشبّه بالرّبّ يسوع المسيح عبر طاعتنا الكلّيّة لكلمته الإلهيّة ليستقرَّ فينا روح نعمته فنحقِّق مشيئة الآب الّتي هي أن نُماثِله أي نصير على مثاله، أي أن نصبح أيقونته في المسيح لخلاص العالم، فندخل سرّ الأبديّة منذ الآن ونجعل ملكوت السّماوات حاضرًا وساطعًا كالشمس لتجديد وجودنا بأسره…

ومن له اذنان للسّمع فليسمع!…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

 

* الزمكان (الزمان-مكان) أو الزمان المكاني هو دمج لمفهومي الزمان والمكان، هو الفضاء بأبعاده الأربعة، الأبعاد المكانية الثلاثة التي نعرفها؛ الطول والعرض والارتفاع، مضاف إليها الزمن كبعد رابع، هذا الفضاء الرباعي يشكل نسيج أو شبكة تحمل كل شيء في هذا الكون، كل جسم مهما كان حجمه وكل حدث يخضع لها، فلا وجود للأشياء ولا للأحداث خارج نطاقي الزمان والمكان.

مواضيع ذات صلة