نشرة كنيستي- الأحد (1) من الصَّوم (الأرثوذكسيَّة)- العدد 10
08 آذار 2020
كلمة الرَّاعي
أحد استقامة الرأي
” يَحْفَظُنِي الْكَمَالُ وَالاسْتِقَامَةُ، لأَنِّي انْتَظَرْتُكَ“
(مزمور 25: 21)
استقامة الإيمان نعمة من الله، ثمنها الطّاعة الكاملة للرَّبّ في الوصيّة الإلهيّة بالرّوح القدس …
الرَّبُّ يُنعم على طالبيه الصّادقين ”بروحه الرّئاسيّ“ (مزمور 51: 12) الّذي يُجدِّد فيهم، باستمرار، روح الاستقامة. واستقامة الإيمان أمانة كلّيّة في نقاوة الحبّ لله، إذ يتبتَّل المؤمن للرَّبّ في طلب حياته منه بتَنَزُّلِ النّعمة الثالوثيّة عليه من فوق …
لا مكان في القلب لغير الله، هذه هي استقامة العقيدة والحياة والجهاد …
* * *
في كلّ سنة نعود، في الأحد الأوّل من الصّوم الكبير المقدَّس، إلى الاحتفال باستقامة الرّأي أو ”أحد الأرثوذكسيّة“، كما نسمّيه. ليس الموضوع مسألة تكرار لأحداث مضت في التّاريخ وكان لها أثر في تحديد إيمان الكنيسة وعقيدتها، الموضوع هو مسألة استمراريّة في جِدَّة الحياة باستقامة الرّأي. لا نكرِّر الذِّكرى، في الكنيسة، لما مضى بل نأوّنه (on l’actualise) أو بالأحرى نستحضره في أبديّة حياتنا اليوميّة في سرِّ الرّوح القدس الحاضِر والفاعِل أبدًا في كنيسة المسيح …
ليست العقيدة مسألة نظريّة أو فلسفيّة للنّقاش أو التّفكُّر بل هي اقتبال كشف الله عن ذاته كما نطق به الرّوح القدس في الكنيسة المُقدَّسَة بآبائها وفي حياتهم وحياة الشّعب المؤمن. العقيدة تمسُّ خلاص الإنسان الأبديّ، ليست مسألة يستطيع الإنسان أن يُساوِم عليها أو يُقيم حولها تسويات بشريّة، لأنّها ثمرة الكشف النّهائيّ لله عن ذاته في المسيح الّذي أزال الحجاب عن ”الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ“ (يهوذا 1: 3). لم نعد بحاجة أن نعرف شيئًا آخَر غير ما سُلِّم إلينا لنخلُص، ”لقد تمّ“ (يوحنّا 19: 30) كلّ شيء واستُعلِن حين أسلم يسوع الرّوح إلى العالم بالكنيسة المقدّسة- جسده وفيها! …
* * *
أحد الأرثوذكسيّة هو انتقال الإنسان المؤمن بالمسيح من كونه أيقونة غير مكتملة للرَّبّ إلى أيقونة حيّة في المسيح وبه، مكمَّلة بواسطة الرّوح القدس. المسيحيّ ليس مخيَّرًا أن يكون أيقونة للرَّبّ أم لا، هو صار التّحقيق الواقعيّ، في هذا الدَّهر، لحقيقة الإنسان الأخرويّة (Eschatologique)، إذ سكن فيه روح الرّبّ بعد أن لبس المسيح في المعموديّة. سرّ تجسُّد الإله تحقَّقت غايته بتألّه الإنسان في يسوع ابن الإنسان ليصير باكورة البشريّة الجديدة الّتي على مثال الله. ”وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ“ (1 تيموثاوس 3: 16). المسيح لم يعرف خطيئة، ومع ذلك صار خطيئة لأجلنا ليحرِّرَنا من سلطان الخطيئة لكي يبرِّرنا معه بروحه القدّوس السّاكن فينا إذا ما أطعناه منقادين بحبّه إلى ارتقاء الصّليب جسرًا يصلنا بملكوت السّماوات، منذ الآن، في سرّ ”إخلاء الذّات“ (فيليبي 2: 5—11)…
* * *
أيها الأحبّاء، الإيمان المستقيم لا يعني انغلاقًا على الذّات الفرديّة أو الجماعيّة في قوقعةٍ ديّانة للآخرين، بل بالعكس هو انفتاح في الحقّ المتجلِّي بالمحبَّة الّتي تطلب خلاص الآخَر من خلال إصلاح الذّات انطلاقًا من الدّور الكونيّ للمؤمن في سرّ حقيقته كمجسِّدٍ لاتّحاد السّماء والأرض في المسيح يسوع الإله-الإنسان … وكباكورة للخليقة الجديدة في ابن الإنسان وابن الله …
”إِنَّ هذِهِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ لَيْسَتْ عَسِرَةً عَلَيْكَ وَلاَ بَعِيدَةً مِنْكَ (…) بَلِ الْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدًّا، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ لِتَعْمَلَ بِهَا“ (تثنية 30: 10—14).
من اقتبل روح الرّبّ ساكنًا فيه، يطرد من نفسه كلّ عشق آخَر غير عشق الله. لذلك، هو يعرف الله كيانيًّا بالوحدة معه في استباق تذوّق ملكوت الدّهر الآتي، وبالتّالي، لا يمكنه أن يحيد عن الحقّ المُعلَن مرّة وإلى الأبد في الإيمان لأنّه لا يطلب مجدًا من النّاس بل مجد الله … ومجد الله أن تصير أيقونته، الإنسان، على مثاله في يسوع المسيح …
ومن استطاع أن يقبل فليقبل! …
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما