Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (4) بعد الفصح (السَّامريَّة)- العدد 22

30 أيَّار 2021

كلمة الرَّاعي

وحدانيّة الحبّ

المرأة السّامريّة: خطيئتها وتبريرها

”يا سيِّدُ أعطني هذا الماءَ لكي لا أعطشَ ولا أَجِيءَ إلى ههنا لأستَقِي“ (يوحنّا 4: 15). ما هو هذا الماء الَّذي تاقت إليه المرأة السّامريّة؟ الجواب هو في  ما يطلبه منها الرّبّ يسوع إذ يقول لها: ”اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى ههُنَا“ (آية 16). ما ارتباط ”الماء الحيّ“ الَّذي يعطيه يسوع مع مسألة المرأة وزوجها؟ الجواب هو أنّها ليست متزوّجة بل هي سالكة في علاقة غير شرعيّة مع رجل وهي غير مرتبطة بالرّجال إلّا بمقتضى مصلحتها وشهوتها ولذلك، كشف الرَّبُّ يسوع حقيقتها وقال لها: ”حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ“ (الآيتان 17 و18).

ماذا جاءت تفعل المرأة عند بئر يعقوب في تمام الظّهيرة؟ النّساء، عادة، يستقين ويملأن جرارهنّ صباحًا باكرًا هربًا من الحرّ والقيظ، أمّا هذه فقد أتت عند الظّهيرة في السّاعة السّادسة، ساعة تجربة آدم وحوّاء وساعة صلب الرَّبّ، لكي تكون أداة للمُجرِّب ولكي تطلب شهوة ولذّة باصطياد رجل لذاتها… هي لم تكن تُدرك أنّها تطلب الحبّ لأنّ الشّهوة أعمت قلبها وأظلمت ذهنها فلم تعد تفهم وتُدرك حقيقة ما تطلبه وصارت تستعيض عن الحبّ النّقيّ الَّذي يروي الكيان بما يشبهه أي بلذائذ الجسد وما يرتبط بها، كون الحبّ هو مصدر الفرح والسّلام والرِّضا، واللّذّة تعطي الإنسان شيئًا شبيهًا مزيَّفًا…

*          *          *

لم تعرف المرأة السّامريّة الحبّ في الأمانة والوحدانيّة لأنّ إيمانها كان فيه شرك بين عبادة الله وعبادة الأصنام. هذه هي خطيئة السّامريّين وخطيئة اليهود كما نقرأ مرارًا وتكرارًا في العهد القديم، إذ كان شعب الله غالبًا ما يميل مع حكّامه إلى الذّهاب وراء آلهة أخرى. هذا ما نقرأه في سفر هوشع (على سبيل المثال لا الحصر): ”حَاكِمُوا أُمَّكُمْ حَاكِمُوا، لأَنَّهَا لَيْسَتِ امْرَأَتِي وَأَنَا لَسْتُ رَجُلَهَا، لِكَيْ تَعْزِلَ زِنَاهَا عَنْ وَجْهِهَا وَفِسْقَهَا مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا، لِئَلاَّ أُجَرِّدَهَا عُرْيَانَةً وَأَوْقِفَهَا كَيَوْمِ وِلاَدَتِهَا، وَأَجْعَلَهَا كَقَفْرٍ، وَأُصَيِّرَهَا كَأَرْضٍ يَابِسَةٍ، وَأُمِـــيتَهَا بِالْعَـــطَـــــشِ“ (2: 2—3).

المرأة السّامريّة كانت امرأة زنًا. هذه كانت حياتها. حاجتها الكيانيّة كانت إلى الحبّ، ولكنّ الحبّ في السّقوط صار أنانيّة واستهلاكًا ولذَّة خارجيّة، بكلمة أخرى صار الحبّ ”هوًى“ وليس فضيلة، صار تشبُّهًا بإبليس وليس صورة الله في الإنسان… الهوى عند إشباعه يزداد قوّة ويزداد معه الجوع إليه في اضطراب وتشويش وحزن وقلق في دائرة مفرغة لا خلاص منها. أمّا الحبّ فعند اختباره يزداد شوق الإنسان إلى الازدياد منه في راحة ورضًا وفرح واستقرار.

*          *          *

المرأة السّامريّة هي نموذج عن البشريّة. ليست قصّتها من الماضي. إنّها حقيقة مُعاشة في أيّامنا أيضًا بكثافة. لا تتعلّق قصّتها بالمرأة بل تختصّ بالرّجل ايضًا، بالإنسانيّة بعامّة.

في سعي الإنسان إلى الحبّ، الَّذي هو صورة الله في شخصه وبسبب الخطايا والأهواء، صار الحبّ ضدّ حقيقته أي صار أنانيًّا. الإنسان يموت دون حبّ، ولا يستطيع أن يشعر بوجوده إن لم يحبّ وإن لم يكن محبوبًا. لكنّ الحبّ المشوب الأهواء لا يروي، وكلّما شرب منه الإنسان كلّما ازدادت حاجته إليه لأنّه لا يدوم إذ هو ظرفيّ ومرتبط بالنّفسانيَّات والجسدانيَّات. أمّا الحبّ الإلهيّ الَّذي بالنّعمة فهو يملأ كيان الإنسان ويفيض منه و”يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ“ (يو 4: 14).

الإنسان في حقيقة خلقه الأنطولوجيّة (الأنطولوجيا علم يبحث في طبيعة الوجود الأوليَّة، عِلْم الوجود، عِلْم الكائن) مرتبط بالله بصورة جوهريّة كونه مخلوق على صورته، ومدعوّ إلى التّشبّه به أو مماثلته. هذا لا يمكن أن يتحقَّق إلّا بالله نفسه أي بنعمته الَّتي هي امتداده إلينا وسكناه فينا وسكنانا فيه.

كما الإيمان واحد هكذا الحبّ يجب أن يكون واحدًا. من لم ينطلق في الحبّ من محبّة الله له ومن محبّته لله لا يستطيع أن يحبّ الآخَر ويفرح به وفيه بل يصير له الآخر وسيلة وأداة لتحقيق هواه.

حين أدركت المرأة السّامريّة أنّها أمام شخص إلهيّ يعرف ما في مكنونات نفسها وقلبها اعترفت بحقيقتها وعبّرت عن شوق ألمها إلى ما يعطيها الامتلاء والاكتفاء والتّحرُّر من اللّهث وراء ما يؤلم في لذّته وما يُحبِط في إنجازه وما يحزن في سعادته…

الرَّبُّ يسوع يعرفنا، يعرف كلّ واحد منذا فهلَّا نعود إليه ونعترف له بمكنونات قلوبنا ونطرح أمامه آلامنا ونكشف له أهواءنا ونُظهر له ضعافتنا، ليس لأنّه لا يعرفها بل لكي نسلك معه بالأمانه والثّقة الكّليّة في وحدانيّة حبّنا له ومنه وفيه وبه لكلّ إنسان. هذا الحبّ الواحد الإلهيّ هو ما يحرِّرنا ويهبنا الامتلاء من النّور والحياة وهو يفيض منّا إلى العالم لمجد الَّذي هو إيّاه فينا.

له المجد والعزّة والسّجود إلى الأبد، آمين.

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة