نشرة كنيستي- أحد العنصرة العظيم- العدد 23
08 حزيران 2025
كلمة الرّاعي
روح الله… الرَّبّ المُحْيي
” إنْ عطش أحد فليأتِ إليَّ ويشرب. مَن آمن بي، فكما قال الكتاب، ستجري من بطنه أنهارُ ماءٍ حيّ” (يو 7: 37 و38)
الرُّوح القُدس هو “نورٌ من نور، إلهٌ حقّ من إله حقّ”، وهو “الرَّبُّ المُحيي، المنبثق من الآب (قبل كلِّ الدُّهور)، الَّذي هو مع الآب والابن مسجودٌ له ومُمجَّد، النَّاطِق بالأنبياء”. هو مُساوٍ للآبِ في الجوْهَر كما الابن، لكنَّه ليس الابن لأنَّه مُنبَثِق من الآب وليس مولودًا منه. لكنَّ، الآب والابن والرُّوح القدس هم واحد في الألوهة لأنَّ الآب هو مصدر الألوهة، هو يُعطي ألوهيَّتَه كاملة للابن بالولادة وللرُّوح القُدس بالانبثاق، طبعًا الولادة منفصلة عن الانبثاق والعكس صحيح، وهذه الحركة أي الولادة أو الانبثاق هي خارج الزَّمن أي بدء من اللَّابدء، وبالتَّالي الابن والرُّوح يشتركان مع الآب في أزليَّتِه وأبديَّتِه أيضًا. حركة الولادة أي الأبوّة هي من الآب إلى الابن وحركة البنوَّة هي من الابن نحو الآب. كذلك، حركة الانبثاق هي من الآب إلى الرُّوح وحركة الرُّوح هي إلى مصدره الآب. الابن والرُّوح في وَحدةٍ مع الآب، وهذه هي حركة الحُبّ السَّرمديّ من الآب إلى الابن والرُّوح ومن الرُّوح إلى الآب والابن ومن الابن إلى الآب والرُّوح، هذه تسمَّى شركة الحُبّ الإلهيّ (περιχώρησις) أو حركة الحُبّ الدّائريّة بين أقانيم الثَّالوث القدّوس، فالآب يُعطي ذاتَه بالكُلِّيَّة للابن بالولادة وللرُّوح القُدس بالانبثاق، والابن يسكن في الآب وفي الرُّوح، والرُّوح يسكن في الآب وفي الابن. لذلك، الآب والابن والرُّوح القدس هم من جوهرٍ إلهيٍّ واحد، هذا الجوهر الإلهيّ الَّذي هو للآب ويشترك فيه الابن والرُّوح بشكلٍ كاملٍ، لذلك الآب والابن والرُّوح القدس متساويين في الألوهة ومتمايزين في الأقانيم، لكلٍّ منهم كلّ الجوهر الإلهيّ كامِلًا وصفاته، ويتميّز كلٌّ منهم بصفةٍ أقنوميَّةٍ تميّزه عن الأقنومين الآخَرَين، فالآب هو المصدر للألوهة وللابن وللرُّوح القُدس، والابن هو مولود من الآب، والرُّوح القدس منبثق من الآب.
* * *
عمل الله ثالوثيّ دائمًا، فالآب يشاء والابن ينفِّذ والرُّوح القُدس يُكَمِّل. هكذا الله الآب خلق العالم بالابن – الكلمة والرُّوح القدس أنجز كماله، فكلمة الآب تتحقَّق بالابن في الرُّوح القُدس، هذا في سِرِّ تدبير الله وخلقه للعالم وعمله لخلاص الخليقة كلِّها. فالغلبة على الشَّيطان والخطيئة والموت تحقَّقَتْ بموتِ يسوع المسيح على الصَّليب وبقيامته وصعوده إلى السَّماوات وجلوسه عن يمين الآب، أمّا اكتمال هذا الخلاص فيصير بالرُّوح القُدس الَّذي يمدّه في الخليقة والبشر عبر التَّفاعُل في التَّآزُر بين نعمته والإنسان. الخلاص تمّ في يسوع لأنّ الشَّيطان قُهر ومملكته دُمِّرت والمضبوطين في الجحيم تحرَّروا والإنسان الجديد الخالد برز ناهضًا من القبر بميّزاتٍ أبديَّة غير خاضعة لمقاييس هذا العالم، والبشريَّة في يسوع المسيح ارتَقَتْ إلى يمين العظمة وصارت مشارِكَة في مجد الله السَّرمديّ وحياته. هذا كلّه يُعطى للمؤمن بيسوع المسيح ربًّا وإلهًا بواسطة نعمة الرُّوح القُدس. الكنيسة الَّتي هي جسد المسيح تجسَّدتْ في العشاء السِّرِّيّ الرَّبّانيّ ووُلِدت في العنصرة وهي كانت موجودة في سِرِّ الثَّالوث القُدُّوس. الرُّوح القُدس يجعل خلاص الله محَقَّقًا فينا وهو “عربون الدّهر الآتي” إذ يُذيقنا منذ الآن طعم الأبديَّة والشَّركة مع الله بنعمته.
* * *
يا أحبَّة، الرُّوح القُدس هو حياتنا الأبديَّة الَّتي كانت لنا قبل السُّقوط حين نفخ الله في أنف آدم المجبول من التُّراب “نسمة حياةٍ” (تك 2: 7) فصار هذا “نفْسًا حيَّة”. وهذا الرُّوح عينه خسره الإنسان عندما خالف الوصيّة، فصار ترابيًّا من التُّراب وإلى التُّراب يعود (تك 3: 19). آدم الأوَّل كان كان من تراب ممَجَّد بروح الله السَّاكن فيه، أمّا بعد سقوطه فصارَ أديمًا من أديم الأرض، لكنّ الله الغنيّ برحمته الَّتي لا تُحَدّ لم يشأ لخليقته، الَّتي أوجدها لحياة الشَّركة معه في مجده، أن تبقى ترابيَّة بل أراد لها التَّألُّه أي التَّشبُّه به، وهذا حقَّقَهُ الآب بطاعَةِ يسوع المسيح ابن الله الوحيد له ومنحنا إيّاه في المسيح أي في جسده – كنيسته بالرُّوح القُدس. فلتتهلَّل الخليقة ولبيبتهج البشر لأنَّ الخلاص تحقَّق وهو ممنوح لنا في إيماننا بيسوع المسيح وطاعتنا ومحبّتنا له وحفظنا لكلمته الَّتي لا نستطيع أن نتمّمها ونعيشها إلَّا بقوَّة الرُّوح القُدس الَّذي أُعطيناه في المعموديَّة والميرون المقدَّس وسرّ الافخارستيّا وفي سائر الأسرار… والَّذي نُجدِّده فينا بتوبتنا ودموعنا ونَخَسِ قلوبنا في الصَّلاة. من لا توبة عنده يمنع روح الله من العمل فيه، يبقى معتمدًا على قواه الذَّاتيَّة ويبقى في ظلمة الجهل الكيانيّ الَّتي مصدرها الكبرياء المستتر، ربَّما حتّى أيضًا، في مظاهر التَّقوى والإيمان والالتزام الظَّاهريّ والتّشدُّد… ما يُعيق عمل روح الله فينا هو مشيئتنا المُستَعبَدَة للأهواء والشَّهوات والخطايا والتّعلُّق والعادة… وهذه لا يتحرَّر منها الإنسان إلَّا بموت الشّهادة… لذلك، قال أحدهم: “أعطِ دمًا وخذْ روحًا”…
ومن استطاع أن يقبل فليقبل…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما