نشرة كنيستي- الأحد (2) بعد العنصرة- العدد 24
الأحد 14 حزيران 2026
كلمة الرّاعي
عيد جميع قدِّيسي الكُرسيّ الأنطاكيّ المقدَّس
وتأمُّل في سيرة رجُلَيْن أضاءا لنا الطَّريق إلى القداسة
“لذلك نحن أيضًا، إذْ يُحيط بنا مثل هذه السَّحابة من الشُّهود، فْلنُلْقِ عّنا كل ثقل
والخطيئة المحيطة بسهولة بنا، ولنُسابق بالصَّبر في الجهاد الموضوع أمامنا…”(عبرانيِّين 12: 1)
تحتفل كنيسة أنطاكية وسائر المشرق، في الأحد الثَّاني من زمن العنصرة، بعيد جميع قدِّيسيها. ليس هذا العيد مُجرَّد ذكرى تاريخيَّة لأسماء نقشتها الأجيال على ألواحٍ حجريَّة، بل هو تأكيد على أنَّ الكنيسة كيانٌ حيٌّ بروح الله إذْ هي جسد المسيح الحَيّ، يمتدُّ عبر الزَّمن إلى الأبديَّة، جسد واحد يضمّ في شركة سرِّيَّة الأحياءَ والرَّاقدين، أولئك الَّذين اكتملوا في النُّور وأولئك الَّذين ما زالوا يَسيرون في درب الجهاد…
القدِّيس في التَّقليد الكنسيّ ليس شخصيَّة خارقة بعيدة عن الواقع، ولا صورةً ذهبيَّة مُعَلَّقة فوق عالم البشر. هو إنسانٌ مِن لحمٍ ودم، وُلد في مدينة أو قرية، تعلَّم في مدرسة وجامعة، عمِلَ وعَلَّم، أحبَّ وحزن، عرف الإغراء والشَّكّ. غير أنَّه في مكانٍ ما مِن مساره الحياتيّ قال نعم لله بشكلٍ نهائيّ وكاملٍ، وسلك هذا الطَّريق بأمانةٍ حتَّى النِّهاية. وهذه القداسة — الَّتي تجمع بين الإنسانيَّة الكاملة والتَّكريس الكامل لله — هي الَّتي نحتفل بها في عيد جميع القدِّيسين الأنطاكيِّين.
في هذا الإطار يليق بنا أن نتأمَّل في سيرة رَجُلَيْن أنطاكيَّين ما تزال ذكراهما حَيَّةً في الكنيسة والمجتمع: المطوبَي الذِّكر والمثلثَيْ الرَّحمة المتروبوليت بولس بندلي، والأرشمندريت الياس مرقص.
* * *
المتروبوليت بولس بندلي: الرَّاعي الَّذي عرف خرافه باسمائها
كان بولس بندلي راعيًا بالمعنى الإنجيليّ العَميق للكلمة. تولَّى رعايَة أبرشيَّة عكَّار وتوابعها للرُّوم الأرثوذكس في لبنان لِعُقودٍ، وكان يعرف خرافه بالإسم، ليس مَجازًا بل حرفيًّا. في الأرياف والجبال والقرى النَّائية الَّتي يتألَّف منها نسيج أبرشيَّتِهِ، كان يحمل الكتاب المقدَّس (الخبز الرُّوحيّ) والخبز المادِّيّ في آنٍ معًا. كان راعيًا يقترب من النَّاس في بساطةٍ مكينة ومتجذّرة في الإيمان ومتجَلِّيَة في التَّواضع…
أسهم المتروبوليت بولس في تجديد الحياة الرِّعائيَّة في الأبرشيَّة على مستوياتٍ مُتعدِّدَة. فهو كان رسولًا في أبرشيَّةِ عكَّار على مثال شفيعه بولس الرَّسول المصطفى، وذلك عبر رحلاته التَّبشيريَّة في رعايا الأبرشيَّة ومباركته للعمل البِشاريّ لحركة الشَّبيبة الأرثوذكسيَّة في عكَّار – وهو مِن خرِّيجيها – وخدمته للمُحتاجين والفقراء، وإنشائه للمؤسَّسات التَّعليميَّة والاجتماعيَّة، وعلاقاته الأخويَّة مع كلِّ مكوِّنات أرض عكَّار في شقَّيها اللُّبنانيّ والسُّوريّ حامِلًا شهادة المحبَّة الَّتي لا تَعرف التَّمييز بين إنسانٍ وإنسان، وكتاباته اللَّاهوتيَّة والرُّوحيَّة الَّتي تكشف عن مطرانٍ جَمَعَ بين العمق الرُّوحيّ والبَساطة في التَّعبير. خِطبه في التُّوبة والإفخارستيَّا واللِّقاء مع المسيح في وجه الآخَر تنبع من قلبٍ اختَبَرَ ما يقول.
رقد بولس بندلي في الرَّبِّ في الثَّالث من حزيران 2008، وبعد سنةٍ على وفاته أقام المتروبوليت باسيليوس منصور راعي الأبرشيَّة الجديد قدَّاس ذكراه. لكنَّ ذكراه لم تبقَ في قاعات الاحتفال وحسب، بل بَقِيَتْ في قلوب الَّذين عرفوه، وفي الكنائس والمؤسَّسات الَّتي بناها أو رمَّمَها، وفي جيل من الكهنة والعلمانيِّين الَّذين حملوا شيئًا من روحه الرِّعائيَّة وإيمانه وفكره…
في سياق عيد جميع القدِّيسين الأنطاكيِّين، يجسِّد المتروبوليت بولس نموذج الأسقف – الرَّاعي الَّذي لا يَسكُن في البروج العاجِيَّة، بل ينزل إلى الحياة اليوميَّة لشعبه ويحمل معهم ثقلها وفرحها، ويؤمن أنَّ الله يُرى في القلب وفي وجْهِ الآخَر.
* * *
الأرشمندريت الياس مرقص: الَّذي ترك العالم ليملكه
تختلف سيرة الأرشمندريت الياس مرقص في بنيتها الخارجيَّة عن سيرة المتروبوليت بولس، غير أنَّها تصدر من الينبوع ذاته.
وُلد مَرسيل اسبيرو مرقص في 5 أيَّار 1921 في اللَّاذقيَّة السُّوريَّة. درس الحقوق وبلغ مناصب رفيعة في الإدارة المدنيَّة، فعُيِّن رئيسًا لدائرة محافظة اللَّاذقيَّة، ومحافِظًا بالإنابة، ثم قائِمَقامًا. كان بإمكانه أن يُمضي حياته في هذا المسار المرموق، إلَّا أنَّ الله كان يعمل في داخله بهدوءٍ وعمق.
كان مرسيل مرقص أحد المؤسِّسين الفعليِّين لحركة الشَّبيبة الأرثوذكسيَّة الَّتي تأسَّستْ في 16 آذار 1942، إلى جانب جورج خضر وجبرائيل سعادة وآخرين. في العام 1955، ألقى محاضرة في كلِّيَّة اللَّاهوت في أثينا أذهلت الأساتذة، حتَّى إنَّ بعضهم قال: “هذا هو اللَّاهوت، لا ما نُدَرِّسَهُ هنا” (يُنقل هذا الكلام عن الشَّمَّاس اسبيرو جبُّور (المثلَّث الرَّحمات)، في رسالة كتبها بعنوان “حركة الشَّبيبة الأرثوذكسيَّة تَنْبُش الَّتاريخ الأبيض للكرسيّ الأنطاكيّ“، مؤرَّخَة في 17 أيَّار 1995). لم يكن هذا مجرَّد مديح أكاديميّ، بل شهادةً على أنَّ شابًّا من الكرسيّ الأنطاكيّ حمل في قلبه لاهوتًا حَيًّا نابعًا من الاختبار لا مِنَ الكتب وحدها.
وفي عام 1958، في قرار لا يُفَسَّرُ بمنطق هذا العالم، ترك كلّ ذلك — المنصب والمكانة والمستقبل الواعِد — وترهَّبَ في دير القدِّيس جاورجيوس (دير الحرف)، مُتَّخِذًا من النَّبيّ إيليَّا شفيعًا وسَمِيًّا، ليُصبح الأرشمندريت الياس مرقص. فَنِيَ في حياة الصَّلاة والصَّمت والتَّوْبة، وعاش حتَّى 23 شباط 2011، مُقَدِّمًا للكنيسة الأنطاكيَّة في القرن العشرين نموذجًا للرّهبانيَّة الحقَّانِيَّة المتجَذِّرَة في النَّهضة الرُّوحيَّة. كان رجل تواضع كبير يُخفي كِبَرَه الرُّوحيّ بلِباسِ النِّكْتَة الطَّريفة والطَّرافة ذات العُمق الرُّوحيّ والتَّعليميّ…
في عام 2024، نظّمتْ لجنة إحياء تراثه بالتَّعاون مع حركة الشَّبيبة الأرثوذكسيَّة ندوة تحت عنوان “بين سيرة القداسة والخصوصيَّة الأنطاكيَّة” — وهذا العنوان ذاته يقول الكثير: ثمَّةَ مَن يرى في الياس مرقص قدِّيسًا، وثمَّة شعب كنيسة يتأمَّل في إمكانيَّة إعلانه شفيعًا رسميًّا.
* * *
خاتمة: بين سيرتَين، درسٌ واحدٌ لنا
على تنوُّعِ مَسلكَيهما — الأسقف الرَّاعي والرَّاهب المنْسَحِب — يجمع بولس بندلي والياس مرقص جوهر واحد: الأمانة للمحبَّة الأولى. كلاهما أحَبَّ الكنيسة أكثر من نفسه فلم يقبلا أن يُريحا نفسيهما فيها إلَّا بخدمة النَّهضة والبشارة. وكلاهما آمن بأنَّ الحياة الرُّوحيَّة ليست هروبًا من العالم، بل حُضورًا أعمق فيه — حضور الإنسان المتحرِّر من ذاته ليكون بالكامل في خدمة الله والآخرين.
هذا هو الدَّرس الَّذي يمنحنا إيَّاه عيد جميع القدِّيسين الأنطاكيِّين: ليست القداسة امتيازًا لفئة مختارة، بل هي دعوة مُوَجَّهة لكلِّ مؤمنٍ، في كلِّ جيل، في كلِّ بيئة. اللَّاهوتيّ والمحامي، الرَّاهب والمطران، الرَّجل والمرأة — كلّهم مدعوّون إلى الأمانة ذاتها، بأشكالٍ لا تُعَدّ ولا تُحصى… لذلك، حين تحتفل الكنيسة الأنطاكيَّة بعيد جميع قدِّيسيها، فهي في الواقع تؤكِّد لكلِّ مؤمنٍ: أنتَ لستَ وَحْدَكَ في الدَّرب. أمامك سحابةُ شهودٍ رأوا ما أنت تَرجوه، وعاشوا ما أنْتَ تطمح إليه، وتجاوزوا ما أنْتَ تخشاه.
وفي لبنان وسوريَّا وكلّ أنطاكيَة المجروحة اليوم، المثْقَلَة بأزماتها ومخاوفها وهجرة أبنائها، تأتي سيرة هؤلاء القدِّيسين لتقول: إنَّ أرض أنطاكية أنجبَتْ رجالًا ونساءً قالوا نعم لله في أصعب الأوقات. وإنَّ الكنيسة الَّتي أنجبتْ في الأزمنة الأخيرة بولس بندلي والياس مرقص وغيرهما قادرة أن تُنجِبَ جيلًا جديدًا يحمل هذا الميراث، لا بشهادة الكلمة فقط، بل بشهادةِ الحياة في الرُّوح.
“فمُ الرَّبِّ تكلَّم” (إش 40: 5) ، وقدِّيسو أنطاكية هم ثمار هذه الكلمة في التَّاريخ…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما