نشرة كنيستي- الأحد (1) بعد العنصرة- العدد 23
الأحد 07 حزيران 2026
كلمة الرّاعي
أن نكون قدِّيسين…
“إنَّ القدِّيسينَ أَجمَعِين بالإيمانِ قَهَرُوا…” (عب 11 :33)
في الأحد الذي يلي العنصرة، تحتفل الكنيسة المقدّسة بعيد جميع القديسين، كتذكار شامل للقداسة: المعلَنة والمعروفة، أو المخفيّة وغير المجهولة. فالقداسة ليست امتيازًا لفئة قليلة، بل هي دعوة لكلّ مسيحي، لأنّها ثمرة العنصرة وسكنى الروح القدس في المؤمن بالمسيح ملكًا وربًّا.
المسيحيّ هو قدّيس، كما يشهد الكتاب المقدّس (أع 9 :32؛ رو 15 :25؛ 1 كو 16 :15). هكذا عاش المسيحيّون الأوائل، وهكذا كانوا ينادون بعضهم بعضًا: قدّيسون، مفروزون لله ومكرَّسون له. كانوا يعرفون أنفسهم أنّهم للمسيح، والمسيح لله، والله هو “الكل في الكل” (1 كو 15 :28). لم يكن خضوعهم للمسيح عن جبر أو قسر، بل عن حبّ وشوق، لذلك كانوا يُساقون إلى الشهادة وهم في فرح وسلام. بالحقيقة، المسيحيّ يأتي إلى العالم من الملكوت، لأنّه حين اعتمد صار ابنًا لله ووارثًا لملكوته.
* * *
القداسة هي جرأة في الروح، وشجاعة في القلب، وتسليم كامل لله. القدّيس هو من يشهد للمسيح في نفسه أوّلًا، ثمّ للآخرين. وهذا يعني صلبًا للعالم حبًّا بالذي صُلب لأجله.
لا بدّ أن يموت العالم فيك لتحيا في الله. إن لم تُمِتْ فيك شهوة العالم، لا تستطيع أن تكون للسيّد. فأنت إمّا أن تكون له كلّك، وإمّا أن تكون لغيره. لا مجال للإشراك في الحبّ. لذلك قال الرب: “لا يقدر أحد أن يخدم ربّين” (مت 6 :24؛ لو 16 :13). القلب الأمين يسكنه معشوق واحد.
المسيح يعلّمنا أنّ اتّباعه يستلزم أن يكون الله هو السيّد الوحيد على حياتنا، فلا نعيش في ازدواجيّة بين محبّة الله ومحبّة العالم. وهذا بحدّ ذاته صليب يجب أن نحمله إن كنّا نحبّ يسوع، لأنّه قال: “مَنْ لا يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلا يَسْتَحِقُّنِي” (مت 10 :38). حياة القداسة هي السير وراء يسوع والالتصاق به، حتى يصير هو ظاهرًا فينا بموت إنساننا العتيق وولادتنا الجديدة في نعمة روحه القدّوس.
* * *
يا إخوتي الأحبّاء، لا تظنّوا أنّ الإنسان مسيَّر ومصيره مكتوب بلا إرادة. الإنسان يصنع مصيره بحريّته، لكن ليس أمامه سوى طريقين: إمّا أن يكون للمسيح ومعه، وإمّا أن يكون للعالم وضدّه.
حين نختار المسيح، يمنحنا قوّته وحكمته وتعزيته، ويعيننا في تجاربنا وشدائدنا وضيقاتنا، ويملأنا من حبّه وفرحه وسلامه.
في هذا الأحد، نحن لا نتذكّر فقط القديسين المعروفين أو غير المعروفين، بل نتذكّر أيضًا دعوتنا نحن إلى القداسة. نحن قديسون بالقوّة، بروح الله الساكن فينا، إذا امتنعنا عن كلّ شبه شرّ (1 تس 5 :22).
القديسون هم الذين لا يفصلهم شيء عن محبّة المسيح (رو 8 :38-39). هم السالكون بحسب الروح، الذين اهتمامهم هو حياة وسلام (رو 8 :5-11)، لأنّ “كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ” (رو 8 :14).
يا أحبّة، فلنكن أصحاب جرأة في الشهادة للمسيح في عالم يحارب المسيح، لكي نصير له شهودًا، وبشهادتنا نقدّس حياتنا. قداستنا هي سعينا أن نحيا في النور كأبناء النور، مُتَحَدِّينَ العالم الذي فينا ورافضينه، لنحوّله إلى مكان أفضل بمحبة الرب ومحبتنا لبعضنا البعض ولكلّ إنسان.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما