نشرة كنيستي- الأحد (12) من لوقا (البرص العشرة)– العدد 3
الأحد 18 كانون الثَّاني 2026
كلمة الرّاعي
الذَّبيحة لله…
“فَلْنُقَرِّبْ بِهِ إِذًا ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ كُلِّ حِينٍ وَهِيَ ثَـمَرُ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ لِاسْـمِهِ.
لاَ تَنْسَوِا الإِحْسَانَ وَالـمُؤَاسَاةَ فَإِنَّ اللهَ يَرْتَضِي مِثْلَ هَذِهِ الذَّبَائِحِ” (عب 13: 15 و16)
الذَّبائح في العهد القديم خمسة أنواع رئيسيَّة وَرَدتْ بشكلٍ واضح في سفر اللاويّين، وهي: المحرقة، تقدمة الحبوب، ذبيحة السَّلامة، ذبيحة الخطيَّة، وذبيحة الإثم (التَّعدّي). الأولى للتَّكفير عن الخطايا غير المتعمدة، والتَّعبير عن التَّكريس الكامل لله، وهي عبارة عن ثور أو كبش أو طائر بلا عيب (راجع: لاويّين 1: 1–17، 6: 8–13، خروج 29: 38–42). الثَّانية غايتها شكر لله على عطاياه، والتَّعبير عن الطَّاعة له، ويُقدِّم فيها دقيق مع زيت ولُبان، دون خمير أو عسل، مع قليل من الملح ( راجع: لاويّين 2: 1–16، 6: 14–23، خروج 29: 40–41). الثَّالثة هدفها الشَّركة مع الله ومع الجماعة، وتقديم الشُّكر على البركات، وموادها المقدَّمة هي حيوان من البقر أو الغنم أو الماعز، يَشترك فيه الكهنة والمقدِّم (راجع: لاويّين 3: 1–17 و7: 11–34). الرَّابعة لأجل التَّكفير عن الخطايا المحدَّدة، خاصَّةً غير المتعمدة، وهي مكوَّنة من ثور أو تَيْس أو حمامة بحسب حالة المذنب (راجع: لاويّين 4: 1–35، 5: 1–13، 6: 24–30 و16: 3–22). والخامسة هي ذبيحة الإثم أو التَّعدِّي وهي للتَّكفير عن الخطايا الَّتي تتضمَّن تعدِّيًا على حقوق الآخَرين أو على المقدَّسات، مع التَّعويض، ويُقَدَّم فيها كبش بلا عيب، مع دفع تعويض للمَضرور (راجع: لاويّين 5: 14–19، 6: 1–7 و7: 1–6).
هذا هو الشَّكل الشَّرعيّ للذَّبائح وشروطها وأهدافها، لكن في العهد القديم نفسه نرى مفهومًا آخَر للذَّبيحة والشَّريعة وهو يُعبِّر عن جوهر الشَّريعة – كلمة الله الَّذي هو الرَّحمة: “إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ” (هو 6: 6). غاية الذَّبيحة إذًا أن يعرف الإنسان الله ورحمته الَّتي تفتح للإنسان بابًا للتَّوبة والتَّغيير والبدء من جديد في مسيرة البِرّ… أمَّا حين تصير الذَّبيحة هدفًا بِحَدِّ ذاتها ويختبئ الإنسان بِشَرِّهِ خلفها ليقدِّم لله عبادة ظاهريّة، عند ذاك يرفضها الله، “لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ، وَبِدَمِ عُجُولٍ وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ…” (إش 1: 11).
* * *
في العهد الجديد نفهم أنَّ المسيح هو الذَّبيحة الكاملة، حمل الله، الَّذي قدَّم نفسه مرَّةً واحدةً لفِداء البشريَّة، هو الحَمَل الطَّاهر الَّذي افتدى المؤمنين بدمه، وهذا ما يوضحه بطرس الرَّسول حين يقول “عالِمين أنَّكم افتُديتم… بدمٍ كريمٍ كما من حمل بلا عَيْب ولا دَنَس، دم المسيح” (بطرس الأولى 1 :18–19). الذَّبائح الحيوانيَّة كانت رموزًا وظلالًا، للمسيح الَّذي هو الذَّبيحة الكاملة، حمل الله، الَّذي قدَّم نفسه مرةً واحدةً لفِداء البشريَّة. “فبهذه المشيئة نحن مقدَّسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرَّةً واحدة… وأمَّا هذا فبعدما قدَّم عن الخطايا ذبيحةً واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله” (عب 10:10–12)، وهذا ما يؤكِّد أنَّ ذبيحة المسيح واحدة وكاملة، لا تحتاج إلى تكرار كما في العهد القديم.
المؤمن يشترك في ذبيحة المسيح بحسب الكتاب المقدَّس مِن خلال الإيمان بعمله الخَلاصيّ على الصَّليب، والاتِّحاد به في المعموديَّة، والعَيْش في شركة الإفخارستيّا، وتقديم ذبائح روحيَّة من تسبيحٍ وعملٍ صالح. هذه المشاركة ليست بذبيحةٍ جديدة، بل دخول في الذَّبيحة الواحدة الكاملة الَّتي قدَّمها المسيح مرَّةً واحدةً وإلى الأبد لأجل الجميع. أمَّا ثمار الاشتراك في ذبيحة يسوع المسيح فهي غفران الخطايا، الاتِّحاد بالثَّالوث، الحياة الجديدة، وتقديم ذبائح روحيَّة يوميَّة من التَّسبيح، الصَّلاة، فعل الخير والعطاء. هذه نتيجة عَيْش الإنسان المؤمن لإيمانه بيسوع كذبيحةٍ مستمِرَّةٍ كما يوصِّف ذلك الرَّسُول بولس قائلًا: «أطلب إليكم… أن تُقدِّموا أجسادكم ذبيحةً حيَّةً مقدَّسة مَرْضِيَّة عند الله، عبادتكم العقليَّة”. المسيحيّ هو كائنٌ ليتورجيّ، يعيش الحياة في شركة سِرِّ ذبيحة المسيح الأبديَّة ككاهنٍ خادمٍ للسِّرّ في حياة حياة الطَّاعَة للرَّبِّ وعَيْشِ القداسة بالتَّغرُّب عن العالم كيانيًّا في محبَّة يسوع…
* * *
يا أحبَّة،
إنَّ الذَّبيحةَ الَّتي يطلبها الله منَّا اليوم لم تَعُدْ ثورًا أو كبشًا أو طائرًا، بل قلبًا مُنسَحِقًا مملوءًا محبَّةً وطاعةً. فالمسيح، الذَّبيحة الكاملة، قَدَّم نفسه مرَّةً واحدةً لأجل خلاص العالم، وفتح لنا باب الشَّركة معه في سِرِّ الإفخارستيَّا وفي حياة الإيمان اليوميَّة. لذلك، دعوتنا أنْ نَحْيَا كذبيحةٍ حَيَّةٍ، نقدِّم لله تسبيحًا لا ينقطع، ونترجم إيماننا بأعمال رحمةٍ ومؤاساة، لأنَّ الله يرتضي مثل هذه الذَّبائح.
فلنحمل في حياتنا اليوميَّة روح الذَّبيحة الحقيقيَّة: أنْ نُميتَ فينا الإنسان العَتيق، ونُحيي الإنسان الجديد في المسيح، فنَصيرَ نحنُ أنْفُسِنا قربانًا مرضيًّا أمام الله، رائحةً طيِّبةً في المسيح يسوع. وهكذا تتحوّل حياتنا إلى ليتورجيا مستمرَّة، حيث كلُّ كلمة وكلُّ عمل وكلُّ فعل محبَّة يصبح ذبيحةً روحيَّة تُقدَّم لله، الَّذي “به نَحيا ونتحرَّك ونوجَد” (أع 17: 28).
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما