Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (18) بعد العنصرة- العدد 40

الأحد 04 تشرين الأوَّل 2026

كلمة الرّاعي 

في العطاء أيضًا وأيضًا

“إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الـمُعْطِيَ الـمُتَهِلِّلَ” (2 كو 9: 7)

 

يا أحبَّة، نعيش في زمنٍ صعب، زمنِ اضطراباتٍ وحروبٍ وقلقٍ على المستقبل، زمنٍ تتهاوى فيه قيمة الإنسان على مختلف صعد الوجود، لأنَّ المبادئ باتت متغيّرةً بحسب أهواء أصحاب السُّلطة في العالم، وكلّ المتسلّطين عبيدٌ لإبليس ملكِ المتكبِّرين والصَّلِفين… المتكبِّر يريد أن يأخذ أكثر ممّا يُعطي، لا بل هو لا يُعطي ما لم يأخذ أكثر ممَّا يقدِّم. المعادلة عنده أنّ كلّ شيءٍ يجب أن يؤول إليه، إلى خدمته وتحت سلطته… هذا لا محبّة عنده ولا قيمة لإنسان، لأنّ قيمة كلّ إنسانٍ عنده هي بمقدار خضوعه له، وتاليًا قيمة الإنسان بالنِّسبة إليه في أَسْمَاها عبدٌ لديه… فلا نتوقّعنّ عطاءً مجّانيًّا من المستكبرين، لأنّهم عندما يقدّمون للآخرين فإنّما يقدّمون لأنفسهم عُجبًا وتعظُّمَ مقامٍ واستعلاءً على النَّاس… فالمتكبّر مُكتفٍ بنفسه ويقول في قلبه: “ليس إله” (مز 14: 1)… أمّا المتواضع فهو الَّذي يعرف أن يقدِّم ويُعطي ويَهب، لأنّه يعرف نفسه فقيرًا إلى الله…

*             *             *

هل تفتقر وتفرح؟!… هذا جنون!… كيف يستطيع الفقير أن يفرح وهو محتاج؟!… هذا في مفهوم العالم غباء، لأنّ مصدر الفرح عند أهل العالم هو: “شَهْوَةُ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةُ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمُ الْمَعِيشَةِ” (1 يو 2: 16). الإنسان الَّذي لم يعرف الله يبحث عن هذه الثَّلاثة، وقد يظنّ إنسانٌ أنّه يعرف الله وليس كذلك بالحقيقة حين يعيش لأجل هذه الثَّلاثة. وهذه الشَّهوات الثَّلاث كلّها تعلّقٌ وتملُّكٌ واستحواذ، ليس فيها سوى الأخذ، وهذا هو الإنسان الجسدانيّ الَّذي يريد أن يستهلك لا أن يعطي… ومَن استحوذته هذه الثَّلاث ظنّ أنّه يملك العالم، فنظر إلى نفسه كأنّه مستغنٍ عن كلّ أحد، حتّى عن الله؛ هو مملوءٌ من نفسه، لا يعرف إلّا أن يحبّ ذاته أي يُشبع شهواتها. وهذا لا يقدر أن يقدّم لنفسه سوى الفراغ المطَّرِد ومزيدٍ من استهلاك كيانه حتّى يُفْنِيَ إنسانيّته. وقد لا يكون صاحبَ أموالٍ كثيرة، فالمسألة ليست في المال بل في الموقف من الذّات والآخَر والمقتنيات والله…

وهنا لا بدّ من كلمةٍ تُزيل كلّ التباس: ليس الغنى بالمال خطيئةً في ذاته، ولا الفقرُ فضيلةً في ذاته؛ فكم من غنيٍّ بالمال هو على قلب الله، وكم من فقيرٍ قلبُه متعلّقٌ بما لا يملك! لقد كان إبراهيم وأيّوب غنيَّين، وكانا من أحبّاء الله؛ وكان يوسفُ الرّامِيّ “رجلًا غنيًّا” وتلميذًا للرَّبّ، هو الَّذي أكرم جسدَ المخلِّص (متّى 27: 57). فالعبرةُ ليست في حجم ما تملك، بل في مَن يملك قلبَك: أمالُك في يدك أم في قلبك؟ أهو أداةُ محبَّةٍ وخدمة، أم ربٌّ ثانٍ تعبده؟ فالمال الَّذي يُبسَط في العطاء بركة، والمال الَّذي يُقبَض عليه بالتَّعلُّق قيد. ولهذا حذّر الرَّبُّ من “محبّة المال” (1 تيم 6: 10) لا من المال، ومدح الغنيّ الَّذي يصنع لنفسه “كنوزًا في السَّماء” (متّى 6: 20) بأن يكون “غنيًّا لله” (لو 12: 21).

*             *             *

أمّا المتواضع، فعلى النقيض من المتكبّر تمامًا (غنيًّا كان أم فقيرًا): هو يعرف أنّه فقيرٌ إلى الله، فيصير بهذه المعرفة عينِها غنيًّا؛ لأنّ مَن أدرك فقره إلى خالقه انفتح قلبُه على النِّعْمَة، والنِّعْمَةُ لا تُكنَز بل تَفيض. فالمتواضع يُعطي لأنّه أخذ أوّلًا من معين المحبَّة الإلهيَّة، وهو يردِّد مع الرَّسُول: “أيّ شيءٍ لك لم تأخذه؟” (1 كو 4: 7). لقد أخذ كلَّ شيءٍ مجّانًا، فصار يُعطي مجّانًا: “مجّانًا أخذتم، مجّانًا أعطوا” (متّى 10: 8).

وهنا ينكشف السِّرّ الَّذي يجهله العالم: أنّ الفرح الحقيقيّ ليس في الأخذ بل في العطاء. لذلك قال ربّنا على لسان الرَّسُول بولس: “مغبوطٌ هو العطاءُ أكثرَ من الأخذ” (أع 20: 35). فالعالم يظنّ أنّ الفرح في أن تمتلئ يداك، والإنجيل يعلّم أنّ الفرح في أن تنفتح يداك. المتكبّر يقبض، والمتواضع يبسط؛ والقبضةُ المغلقة لا تقدر أن تأخذ شيئًا جديدًا، أمّا الكفّ المبسوطة فتُعطي وتُعطى في آنٍ معًا.

ولهذا لم يقل الرَّسُول إنّ الله يحبّ المُعطيَ فحسب، بل “المُعطيَ المتهلِّل” (2 كو 9: 7)؛ فالعبرةُ ليست في مقدار ما تُعطي، بل في القلب الَّذي منه تُعطي. فكم من غنيٍّ يُعطي عن محبّةٍ فيُبارَك عطاؤه، وكم من أرملةٍ فقيرةٍ تُلقي فلسَيْن فتسبق كثيرين، لأنّها — كما قال الرَّبّ — “ألقت كلَّ معيشتها” (لو 21: 4). فالعطاء المسيحيّ يُقاس بالحبّ المبذول لا بالرَّقم المدفوع، وبما يجنيه في القلب من رجاءٍ لا بما يُخرجه من الجيب.

*             *             *

لكنّ العطاء الحقيقيّ له مصدرٌ واحد: الصَّليب. فعلى الجلجلة تعلّمنا أنّ المحبّة هي أن تُعطيَ ذاتك، لا فضلاتِك. “هكذا أحبّ اللهُ العالم حتى بذل ابنه” (يو 3: 16)؛ والابنُ “أحبّنا وأسلم ذاته لأجلنا” (أف 5: 2). فمقياس عطائنا ليس أهواءَ العالم المتقلّبة، بل بذلُ المسيح الَّذي “وهو غنيٌّ افتقر لأجلكم لكي تستغنوا أنتم بفقره” (2 كو 8: 9). فيا للعجب: غِناه صار فقرًا، وفقرُنا صار، به، غِنًى! هذه هي معادلة الملكوت الَّتي تقلب معادلة المتكبّرين رأسًا على عقب: فبينما يجمع العالم ليملك، يبذل المؤمن ليَربح؛ وبينما يستهلك الجسدانيّ كيانه فيفنى، يبذل الرُّوحانيّ ذاته فيحيا، “لأنّ مَن أراد أن يخلِّص نفسه يُهلكها، ومَن يُهلك نفسه من أجلي يجدها” (متّى 16: 25).

*             *             *

يا أحبّة، في زمننا هذا، زمنِ الضِّيق والغَلاء والخوف على الرَّغيف والغد، قد يتسلَّل إلينا منطقُ العالم فنقول: “كيف أُعطي وأنا محتاج؟”. لكنّ الإنجيل يقلب السُّؤال: “كيف لا أُعطي، وقد أعطاني الله نفسه؟”. إنَّ الكنيسة لم تُبنَ يومًا بالتَّعلُّق والقبض، بل بأرامل الفلسَين وبأغنياءَ بسطوا أموالهم بمحبَّة، وبقلوبٍ بذلت ما تملك. فالغنيّ مدعوٌّ أن يُكرم الرَّبَّ بأمواله ويصنع بها كنوزًا في السَّماء، والفقيرُ مدعوٌّ أن يُعطيَ من قليله بفرح؛ وكلاهما، إنْ أعطى بمحبَّةٍ، على قلب الله لأنَّ هذا العطاء المحدود هو دربه إلى العطاء اللَّامحدود. وما أحْوَجَنا اليوم، ونحن نرى قيمة الإنسان تتهاوى تحت أقدام المتسلِّطين، أن نشهد للإنسان الحقيقيّ: إنسانِ العطاء، الَّذي يرى في أخيه المحتاج وجهَ المسيح نفسه، فيقدِّم له لا فضلتَه بل محبّتَه أي كلِّ حياته.

فلنُعطِ إذًا: نُعطِ من مالنا إنْ كان لنا مال، ومِن وَقتنا وجهدنا وصلاتنا وكلمتنا الطَّيِّبة إنْ قلَّ المال؛ نُعطِ المحتاج والجائع والوحيد والمريض والغريب؛ نُعطِ بفرحٍ وتهلّل، لا عن عُجبٍ ولا مِنَّةٍ ولا انتظار مقابل. فإنّنا كلّما أعطينا، اتّسعتْ قلوبُنا لنأخذ أكثر من نعمة الله؛ أي كلّما أعطيتَ ازددتَ غنًى، وكلّما بذلتَ ازددتَ حياة.

“إنَّ الله يحبّ المعطيَ المتهلِّل”؛ فليجعلنا الرَّبُّ من المتهلّلين في عطائهم، المتواضعين في غناهم، الأغنياء في محبّتهم، حتَّى نسمع في اليوم الأخير: “تعالوا يا مُبارِكي أبي…” (متّى 25: 34–35).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة