نشرة كنيستي- الأحد (20) بعد العنصرة- العدد 42
الأحد 18 تشرين الأوَّل 2026
كلمة الرّاعي
السُّلطان الرَّسُوليّ
“مَن سَمِعَ مِنكُم فَقَد سَمِعَ مِنِّي” (لو ١٠: ١٦)
الكنيسة جسد المسيح وهو الرَّأس، وسلطانها يأتي من الرَّأس الَّذي يقود الجسد ويحرِّكه. هذا السُّلطان ليس سُلطانًا بشريًّا انبثق من إجماع الجماعة، ولا سُلطانًا مؤسَّساتيًّا تراكَم عبر التَّاريخ، بل هو سُلطانٌ ممنوحٌ من فوق، متجذّر في الرَّسُوليّة الَّتي أسَّسها يسوع حين قال لتلاميذه الإثنَيْ عشر: “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ” (يو ١٥: ١٦)، وحين قال للسَّبعين وهُم يَعودون من رسالتهم فَرِحين: “مَن سَمِعَ مِنكُم فَقَد سَمِعَ مِنّي، ومَن رَذَلَكُم فَقَد رَذَلَني، ومَن رَذَلَني فَقَد رَذَلَ الَّذي أَرسَلَني. “ثلاث حلقات في سلسلة واحدة: “أنتم”، “أنا”، “الَّذي أرسلني” أي “الآب”. وفي هذه الحلقات الثَّلاث يكمن سرُّ السُّلطان الرَّسُوليّ كلِّه.
* * *
حين عاد السَّبعون وأخبروا الرَّبَّ أنَّ الشَّياطين تخضع لهم باسمه، توقَّعنا أنْ يُبارك يسوع هذا الإنجاز ويُثني عليه. لكن جاء جوابه صادِمًا بعُمقه: “لا تفرحوا بهذا أنَّ الأرواح تخضع لكم، بل بالأحرى افرحوا بأنَّ أسماءكم كُتبت في السَّماوات.” يسوع لا يُقلِّل من قيمة السُّلطان الَّذي منحه، لكنَّه يُحذِّر من أن يصبح السُّلطان موضع فخر أو امتلاك. السُّلطان ليس للرُّسُل من أجل الرُّسُل، بل للرُّسُل من أجل الملكوت والبشارة به. حين يُصبح السُّلطان غاية في ذاته ينقلب إلى خطر، وحين يبقى خادمًا لغايةٍ أسمى، وهي الشَّرِكَة مع الله والخلاص، يصير بركة. والفرق بين امتلاك السُّلطان وحمله هو الفرق بين المؤسَّسة الدِّينيَّة الدُّنيويَّة والجماعة الرَّسُوليّة الحَيَّة. فالمؤسَّسة الدِّينيَّة الدُّنيويَّة هي الجماعة الدِّينيَّة حين تنسى رسالتها الرُّوحيَّة وتتصرَّف كمؤسَّسة بشريَّة عادِيَّة، تسعى إلى الحفاظ على نفسها وسلطتها ونفوذها بالأدوات الدُّنيويَّة ذاتها الَّتي تستخدمها الدُّوَل والمؤسَّسات البشريَّة، فتعتبر السُّلطة حقًّا مكتسبًا تدافع عنه لا أمانة تؤدِّيها وتخضع لحسابها، ويتحوَّل الأسقف أو الكاهن فيها من خادم إلى حاكم، ومن راعٍ إلى مدير. أمَّا الجماعة الرَّسُوليّة الحَيَّة فهي الكنيسة حين تعيش رسالتها الحقيقيَّة كجسد يسوع المسيح في العالم، لا تملك سلطانًا بل تحمله، لا تسعى إلى النُّفوذ بل إلى الخدمة، لا تفرض الإيمان بل تشهد له بحرِّيَّة وبمحبَّة.
* * *
السُّلطان الرَّسُوليّ في المفهوم الأرثوذكسيّ ليس أوَّلًا سلطة إداريَّة، بل هو قبل كلِّ شيء حضور المسيح في وسط الجماعة بواسطة الَّذين أُرسِلُوا باسمه. إنَّ كلمة يسوع “مَن سَمِعَ مِنكُم فَقَد سَمِعَ مِنّي” ليست مجرَّد تفويض عَمَليّ، بل هي إعلان هويَّة: الرَّسُول حين يقوم بمهمَّتِه الرَّسُوليّة الحقيقيَّة ليس مجرَّد ممثِّل للمسيح، بل هو حضور المسيح ذاته في مكانٍ وزمانٍ محدَّدَيْن، وحين يتكلَّم فهو صوت المسيح الكلمة، لا صوت نفسه هو. ولهذا السَّبب يُؤكِّد التَّقليد الأرثوذكسيّ أنَّ السُّلطان الرَّسُوليّ لا ينقطع، ليس لأنَّ المؤسَّسة الكنسيَّة تضمن ذلك قانونيًّا، بل لأنَّ المسيح الحَيّ يضمن حضوره في كنيسته إلى انقضاء الدَّهر. التَّسلسل الرَّسُوليّ (Apostolic Succession) هو التَّعبير الظَّاهر عن هذا الحضور المستمرّ والسِّرِّيّ، لكنَّه يبقى رمزًا ميتًا إن لم يكن مملوءًا روحًا وحياةً جديدة.
* * *
حين نقرأ مقطع رسالة بولس إلى أهل كولوسي (كول ٤: ٥-١٨)، نجد أنفسنا أمام وثيقة حَيَّة عن كيفيَّة ممارسة السُّلطان الرَّسُوليّ في الواقع اليَوْميّ. بولس يكتب وهو في السِّجن، “اذكروا قيودي”. الرَّسول الكبير، الَّذي يتكلَّم بسُلطان المسيح ذاته، يكتب من وراء القضبان. ليس هنا شيء من بهاء السُّلطة الدُّنيويَّة، بل هو سلطان المحبَّة المصلوبة الخادمة. وهذا تعليم جوهريّ. ثمَّ لنتأمَّل كيف يتكلَّم بولس عن مُعاونيه: تيخيكوس “الأخ الحبيب والخادم الأمين”، أنيسمس “الأخ الأمين الحبيب”، أبفراس “عبد المسيح مجاهد كلّ حين في الصَّلوات”، لوقا “الطَّبيب الحبيب”. كلُّ واحدٍ مِن هؤلاء يؤدِّي دورًا في البُنيان الرَّسُوليّ، لا هرميًّا، بل عضويًّا بالمعنى الجسديّ الحَيّ، كأعضاء جسدٍ واحدٍ، كلٌّ في موضعه والكلُّ في خدمة المسيح. السُّلطان الرَّسُوليّ عند بولس ليس تراتبيَّة تُفرَض من فوق، بل شبكة من العلاقات المبنيَّة على المحبَّة والثِّقَة والمسؤوليَّة المشتركة. وكلُّ موضعٍ خادمٍ للكلّ، والكلّ خادم للمسيح. ولا يفوت بولس أن يُذكِّر أرخيبوس: “تأمَّل الخدمةَ الَّتي تسلَّمتَها في الرَّبّ حتَّى تُتِمَّها”، فالسُّلطان الرَّسُوليّ هو مسؤوليَّة إتمام الخدمة، لا مجرَّد حمل اللَّقَب.
* * *
يبدأ بولس هذا المقطع من رسالته إلى أهل كولوسي بكلمة محوريَّة: “اسلُكوا بحكمةٍ مِن جهة الَّذين في الخارج مُفتَدين الوقت”. السُّلطان الرَّسُوليّ لا يُمارَس فقط داخل الكنيسة، بل له توجُّه وشهادة نحو العالم. وهذا التَّوجُّه والشَّهادة يجب أن يكونا بحكمة: “وليَكُن كلامكم كلَّ حينٍ ذا لُطفٍ مُصْلَحًا بملح حتَّى تعلَموا كيف ينبغي لكم أن تجاوبوا كلَّ واحد”. الملح الَّذي يُعطي الطَّعام نكهةً دون أن يظهر فيه خارجيًّا هو صورة جميلة للكيفيَّة الَّتي ينبغي أن تحضر بها الكنيسة في العالم: لا بضجيج الهيْمَنَة، ولا بصمتِ الاختفاء، بل بحُضورٍ مُنكِّه يُعطي الكلام طعمه الحقيقيّ والحياةَ قيمتها الإلهيَّة، إنَّه حضور خفيّ يحوّل الحياة إلى “حياة أفضل” (يو 10: 10). وهذا ما يتردّد في تعليم المطران جورج خضر طوال مسيرته اللَّاهوتيَّة: أنَّ الكنيسة في علاقتها بالعالم تشهد ولا تفرض، تدعو ولا تُكرِه، وأنَّ سلطان الكلمة وحده هو الَّذي يَليق بِمَن يحمل بشارة المسيح. السُّلطان الرَّسُوليّ ليس إكراهًا، هو دعوة. وقوَّته لا تأتي من خارجه بل من داخله، من صدق حامله وأمانته للرِّسالة.
* * *
مهمٌّ جدًّا ما ينقله لنا الإنجيليّ لوقا في ختام حديث يسوع مع السَّبعين إذْ يَقول: “تهلَّل يسوع بالرُّوح وقال: أعترف لك يا أبتِ ربَّ السَّماء والأرض”، ليُعلِّم تلاميذه أنَّ الفرح الحقيقيّ ليس في قوَّة السُّلطان بل في مشيئة الآب المتحقِّقة فيهم: “نعم يا أبتِ لأنَّك هكذا ارتَضَيْت”. وهذا هو جوهر السُّلطان الرَّسُوليّ كلِّه: مصدره مشيئة الآب لا إرادة الإنسان. مِن هنا، حين يعمل الرُّسُل والأساقفة خلفاء الرُّسُل والكهنة والخدَّام بأمانة، فإنَّهم لا يضعون أنفسهم في موضع مَن يختبر حدود صلاحيَّاته أو يُثبت قدرته أو يُظهر نفوذه، بل يُسلِّمون أنفسهم لمشيئة الله الآب كما فعل يسوع، ويفعلون ما يفعلونه لأنَّ الله أراد ذلك، لا لأنَّهم يُريدون إثباتَ شيءٍ لأنفسهم أو للآخَرين. فالرَّبُّ شاء أن تُنقل البشارة بواسطة البشر، وأن يختار الإنسان الضَّعيف ليحمل رسالته العظيمة. وهذا ما يُعبِّر عنه بولس بقوله: “لكنَّنا نحمل هذا الكنز في أوانٍ خزفيَّة” (٢ كو ٤: ٧)، لأنَّ الإناء الخزفيّ لا يتباهى بطبيعته، إذْ يعلم أنَّ الكنز الَّذي فيه ليس منه وأعظم منه، وأنَّ مهمَّته الوحيدة هي ألَّا ينكسر بالخطيئة وأن يصطلح بالتَّوبة لئلَّا يخسر نعمة الله الَّتي يحملها.
* * *
يا أحبَّة، السُّلطان الرَّسُوليّ الحقيقيّ يسكن في قلب الإنسان – الطّفل، أي الَّذي يثق بالله ويسلمه حياته وفي الإنسان النَّقيّ القلب والبريء في حبِّهِ لله والإنسان أي مَن لا مصلحة خاصَّة عنده في حُبِّهِ وخدمته، لا في عقل الحكيم الَّذي يحسب ويدرس بمنطق العالم. هو بساطة التَّسليم لمن أُرسل، وأمانة الحضور أمام من أُرسل إليهم. نحن الأساقفة نحمل هذه المسؤوليَّة والرِّسالة والشَّهادة للرَّبّ، وكذلك الكهنة والشَّمامسة والعلمانيِّين، كلٌّ منهم يحمل شيئًا من هذا السُّلطان الرَّسُوليّ كلٌّ بحسب دوره. فكلُ مؤمنٍ معمَّد هو كاهن وملك ونبيّ بقوَّة معموديَّته، وكلُّ واحدٍ منَّا أُؤتمن على خدمةٍ ما: في عائلته، في رعيَّته، في عمله، في محيطه. والسُّؤال الَّذي يطرحه علينا هذا النَّص اليوم هو: هل نحمل هذا السُّلطان بأمانة؟ هل كلامنا مصلَح بملح؟ هل نفرح بأسمائنا المكتوبة في السَّماوات أكثر ممَّا نفرح بأنَّ الأرواح تخضع لنا؟ هل نتذكّر قيود بولس، أي ثمن الشَّهادة، حين نتكلَّم باسم المسيح؟!…
“تأمَّل الخدمةَ الَّتي تسلَّمتَها في الرَّبِّ حتَّى تُتِمَّها.”
ومن له أذنان للسَّمْع فليسمع.
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما