نشرة كنيستي- الأحد (19) بعد العنصرة (آباء المجمع المسكونيّ السَّابع)- العدد 41
الأحد 11 تشرين الأوَّل 2026
كلمة الرّاعي
الآباء والإيمان القويم والبِدَع والهرطقات
“أمّا المباحثات الهذيانيَّة والأنساب والخصومات والمماحكات النَّاموسيَّة فاجتنبها، فإنَّها غير نافعة وباطلة” (تي 3: 9)
آباء الكنيسة هم الَّذين نَقَلُوا إلينا “الإيمان المسلَّم مرّةً للقدِّيسين” (يه 1: 3)، وهم الَّذين حدَّدوه في المجامع المسكونيَّة بالرُّوح القُدس أو بالأحرى حدَّده الرُّوح القُدس بأفواههم وكلماتهم. ومعنى ذلك أنَّهم عبَّروا عنه بلغة عصرهم، بصِيَغٍ دقيقة تهدف إلى إيضاح ثلاثة أمور: ما كُشِف للكنيسة في المسيح يسوع ابن الله الوحيد، وما خَبِرَته الكنيسة بالرُّوح القُدس في عَيْشِ هذا الإيمان، وما وَرَدَ عنه في الكتب المقدَّسة وفي التَّسليم المكتوب والشَّفهيّ واللِّيتورجيّ.
الإيمان المكشوف للكنيسة لا يتغيَّر ولا يُضاف إليه جديد عقائديًّا، فما سُلِّم قد سُلِّم، والعقائد الَّتي حدَّدتْها المجامع المسكونيَّة كافية لخلاص الإنسان. لكنَّ ثبات الإيمان لا يُعفينا من تأوين التَّعبير عنه، أي من إيضاحه للمؤمنين في كلِّ زمانٍ حتَّى يصير في متناول أفهامهم. ولا يكون ذلك إلَّا إذا فهمنا ما سُلِّم في حقيقته التَّاريخيَّة والرُّوحيَّة: كيف تحدّد التَّعبير العقائديّ ردًّا على البِدَع والهرطقات. والهرطقات هي التَّعاليم الَّتي لا تنسجم مع خبرة الكنيسة في معرفة الله بالنِّعْمَة والاتِّحاد به في سِرِّ الرُّوح القدس وجسد المسيح.
* * *
ظهرت البِدَع والهرطقات منذ أيَّام الرُّسُل، فجاء الرَّدُّ على بعضها في رسائل العهد الجديد نفسها. ثمّ تصدَّى لها الآباء جيلًا بعد جيل: من الآباء الرَّسوليِّين كالقدِّيس إغناطيوس الأنطاكيّ، إلى القدِّيس إيريناوس أسقف ليون في رَدِّه على الهرطقات، فالآباء الكبَّادوكيِّين وغيرهم. وتُوِّج ذلك كلّه في المجامع المسكونيَّة الَّتي عبَّرت عن الإيمان القويم في العقائد الَّتي أقرَّتها.
ولكن، وإن توقَّفتْ المجامع المسكونيَّة، فإنَّ زمن الآباء لم ينتهِ ولا يمكن أن ينتهي، لأنَّ الرُّوح القُدس المُلهِم والمعلِّم والمفسِّر هو هو، وما زال فاعلًا في الكنيسة. فهو يُقيمُ لها آباءً في كلّ جيل، ووجودهم برهان على عمله فيها. وعمل الآباء أن يضُخُّوا الرُّوح في حياة المؤمنين بالقُدوة والتَّعليم والنِّعْمَة الَّتي تفيض منهم، كما قال الرَّبّ: “مَن آمن بي، كما قال الكتاب، تجري مِن بطنه أنهارُ ماءٍ حَيّ” (يو 7: 38).
الآباء يلدوننا بالرُّوح في حَقِّ الإنجيل، وينمُّوننا حتَّى نبلغ ملء النُّضج في المسيح. فنَصير قادرين على مواجهة التَّجارب والتَّعاليم المنحَرِفة، وعلى عَيْشِ الكلمة الإلهيَّة بالنِّعْمَة، وعلى تمييز التَّعليم الصَّحيح من الضَّالّ، والسُّلوك المستقيم من المُرائي.
* * *
يا أحبَّة، للهرطقة وجهٌ عقائديّ هو تحريف الإيمان، ولها جذرٌ روحيّ أعمق هو انغلاق القلب. لذلك كانت علامة استقامة إيماننا محبَّتنا لله وللقريب، وقبولنا للآخَر في تمايزه واختلافه، مع تمسُّكنا بأنْ نحمل إليه البُشرى السَّارَّة، الإنجيل، حياةً مُعاشة وكلمةً حَيَّة. وبهذا المعنى، فإنَّ كلَّ رفضٍ للآخَر ودينونةٍ له، وكلّ كرهٍ له ونفورٍ من التَّواصل معه، هو من روح الهرطقة وإنْ ادّعى صاحبه استقامة الرَّأي.
أمّا المبتدع الَّذي يتمسَّك بإنكار إنجيل الرَّبّ ورفض تعليم الكنيسة، ويرفض الحوار ويقطع كلّ تواصل، فتُعرَض عنه كما أوصى الرَّسُول: “الرَّجل المبتَدِع بعد الإنذار مرَّةً ومرّتين أعْرِض عنه” (تي 3: 10). ومع ذلك تبقى مدعوًّا إلى أن تحبَّه وتُصلّي من أجله، وألَّا تردَّه إن جاءك مُحاورًا بصدق.
ليس المطلوب أن تُقنِع أحدًا بإيمانك، بل أنْ تشهد لِحَقِّ المسيح، والباقي عمل الرَّبّ وروحه في خليقته. إذا عرفت الحَقَّ وشهِدت له بأمانة، انبثَّتْ قوَّة الله مِن خلالك إلى القلوب والعُقول. فإذا رأت فيك محبَّة المسيح المصلوبة والمبذولة لخلاص العالم، ولمست حنانه عندك، انفتحت للنِّعْمَة وعرفت المخلِّص من خلالك. والسِّرّ كلَّه في التَّواضع وإخلاء الذَّات، حتَّى ينكشف المسيح فيك للعالم.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع.
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما