نشرة كنيستي- الأحد (12) بعد العنصرة- العدد 34
الأحد 23 آب 2026
كلمة الرَّاعي
الحياة الأبديَّة، مَن يطلبها؟!
“أَيُّهَا الـمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ مِنَ الصَّلاحِ لِتَكُونَ لِيَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟” (مت ١٩: ١٦)
مَن مِنَّا يَطرح على نفسه هذا السُّؤال: ماذا ينبغي لي أن أعمل لأحصل على الحياة الأبديَّة؟ وهل نؤمن بوجود حياة أبديَّة؟ وما هي الحياة الأبديَّة الَّتي ننتظرها ونطلبها؟ ومتى نحصل عليها؟
أسئلة وُجوديَّة على المؤمن أنْ يعرف إجاباتها لكي يكون مؤمِنًا حقًّا، وإلَّا فإنَّ حياته تضيع سُدًى إذْ يمُرُّ الزَّمن من دونِ هدف. لا شَكَّ أنَّ الإنسان في كلِّ زمان سعى للإجابة على هذه الأسئلة لأنَّها تُحدِّد معنى وجوده، أمَّا نحن كمسيحيِّين فقد حصلنا على الأجوبة في المسيح ابن الله الوَحيد والإله المتجسِّد. غير أنَّ هذه الأجوبة تبقى نظريَّاتٍ ما لم يخُض الإنسان غمار الحياة في الرُّوح، ليتيقَّن من حقيقتها ويختبر ثمارها — مُستبِقًا الدَّهر الآتي بتذوُّقِ الحياة الأبديَّة في الرَّبّ الآن وهنا. فالحياة الأبديَّة ليست موعدًا في المستقبل وحسب، بل هي حضورٌ حَيّ يبدأ في اللَّحظة الَّتي يتحرَّر فيها الإنسان من سُلطان العالم ويتعلَّق بالمسيح الَّذي هو الحياة ذاتها. وهذا ما يُعبِّر عنه اللَّاهوت الأرثوذكسيّ بمَفهُوم الإسخاتولوجيا المتحَقِّقَة: أي أنَّ ملكوت الله لا ننتظره فحسب، بل نتذوّقه ونحيا فيه منذ الآن بالرُّوح القدس.
* * *
جواب يسوع للشَّاب الغَنِيّ على سؤاله كان بسيطًا: “احْفَظِ الوَصَايَا”، واختَصَرَها له قائلًا: “لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرُقْ، لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ، أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، أَحْبِبْ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ.” هنا شعر الشَّاب بأنَّه متقَدِّم في حِفظها فأجاب: “كُلُّ هَذَا قَدْ حَفِظْتُهُ مُنذُ صِبَائِي. فَمَاذَا يَنْقُصُنِي بَعْدُ؟” شعر الشَّاب في نفسه أنَّه يمكنه أنْ يكون في وضع أفضلٍ ممَّا هو عليه، فطلب أكثر. لكنَّ جواب يسوع جاء صادِمًا: “بِعْ كُلَّ شَيْءٍ لَكَ وَأَعْطِهِ لِلْمَسَاكِينِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاوَاتِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي”. هنا حزن الشَّاب ومَضَى، ولم يلتفتْ إلى الخلف، “لِأَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ”.
ولا بُدَّ أنْ نتوقَّف عند ملاحظة دقيقة في هذا النَّصّ: يسوع اقتَبَسَ للشَّاب وصايا اللَّوْح الثَّاني — أي الوَصايا المتعلِّقَة بالقريب — غير أنَّه أغفل عَمْدًا الوَصِيَّة العاشرة: “لا تَشْتَهِ”. وهذا الإغفال ليس سَهْوًا، بل هو في جوهره المدخل الحقيقيّ لكلام يسوع اللَّاحِق: فالشَّاب يحفظ الوَصايا في ظاهرها، لكنَّ شهوة المال تسكُنُ في أعماقه وتتحكَّم في خياراته. وقد أراد يسوع أن يكشف له هذا الجرح الخَفِيّ في نفسه لا أن يُدينه.
* * *
كلّ الوصايا الَّتي ذكرها الرَّبّ يسوع للشَّاب تتعلَّق بعلاقتِهِ مع الآخَر، وهو إنْ عاشها بصدقٍ وأمانة يحصل على الحياة الأبديَّة. كم كان سَهلًا على الشَّاب أنْ يُجيبَ الرَّبّ بأنَّه يحفظ هذه الوصايا، وكم يصعب علينا اليوم أنْ نُجيبَ بهذه السُّهولة أنَّنا ملتزمون بها. لا شَكَّ أنَّ الشَّابَ الغنيّ أخطأ في تقييمه لحِفْظِهِ الوَصايا، لأنَّها في عُمقها تتعلَّق بتَحرُّره مِن حُبِّ المال الَّذي هو أصلُ كلِّ الشُّرور والأهواء، كما يقول الكتاب: “لأنَّ مَحَبَّةَ الـمَالِ (φιλαργυρία) أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ”(١ تيموثاوس ٦: ١٠). فمَن كان المال شهوته وتعَلَّقَ به صارَ مَملُوكًا منه وليس مالكًا له، وهذا ما أدركه آباء الكنيسة وعَلَّمُوه، إذْ إنَّ الشَّهوة هي أشَدَّ القيود وطأةً لأنَّها تسكن في الإرادة ذاتها. وهنا التَّحدِّي الإيمانيّ الحَقيقيّ لكلٍّ منَّا: هل إذا تخلَّيتُ عن المال حبًّا بالآخَرين أكون خاسرًا لحياتي؟ أم إذا حفظتُ المال لنفسي أكون رابحًا لها؟
* * *
الشَّاب الغنيّ وقع في حزنٍ لأنَّه كان يعتبر أنَّ المال تعبير عن رِضا الله عليه — وهذا المفهوم كان شائعًا في الذِّهنيَّة اليهوديَّة — وبالتَّالي فهو في نظره عربونٌ إلهيّ بأنَّه سيرثُ الحياةَ الأبديَّة وأنَّه بارٌّ في عيني الرَّبّ. بل إنَّ هذه الذِّهنيَّةِ ذاتها كانت تجعل الفقراء في نظر المجتمع اليهوديّ غيرَ مَرضيٍّ عنهم من الله — وهو ما يُضفي على دعوة يسوع للشَّاب بأنْ يُعطي الفقراء بُعدًا ثَوريًّا مزدوجًا: تحرُّر من المال، وتحرُّر من الأحكام المسْبَقَة على مَن نخدم. جواب يسوع قَلَبَ كيانَهُ ومفاهيمه ومعرفته كلّها، لأنَّه دعاه إلى الحرِّيَّة الكاملة الَّتي لا تُقتَنى إلَّا بتَرْكِ التَّعلُّق بالمال عبر توزيعه على الفُقراء، وعَيْشِ حياة الفقر مع يسوع — الَّذي هو “الحياة الأبديَّة” ذاتها، ومعلِّم الكمال وطريقه.
* * *
يا أحِبَّة، لنَفْحَص قلوبنا ولنسأل أنفسنا ثلاثة أسئلة:
أوّلًا: هل نحن فعلًا طلَّاب للحياة الأبديَّة؟ هل تعني لنا هذه الكلمة شيئًا حقيقيًّا، أم أنَّنا مأخوذون بتيَّارات الحياة الَّتي تُبعِدُنا عن هدف وجودنا، واضعةً أمامنا أهدافًا كثيرة بوسائل إغرائيَّة أو إكراهيَّة حتَّى نتغرَّب عن حقيقتنا؟
ثانيًا: هل نحزن كالشَّاب الغنيّ حين يُخيِّرنا الرَّبّ بين أن نكون خاضعين لسُلطان العالم وفاقدين للحياة الأبدِيَّة، وبين أن نكون متَحَرِّرين من هذا السُّلطان سالكين وراءه في طريق التَّخلِّي عن “حبِّ الفِضَّةِ” وشهواتها؟
ثالثًا: هل نفرح لأنَّنا مُتيقِّنون أنَّ الحياة الأبديَّة ليست وَعْدًا بعيدًا، بل هي حضورٌ حَيّ نتذوَّقه الآن في كلِّ خيار نتخلَّى فيه عن ذاتِنا حبًّا بالله وبالآخَرين، في انتظار مجيئه الثَّاني المجيد؟
فالحياة الأبديَّة لا تبدأ بعد الموت — تبدأ في اللَّحظة الَّتي يقول فيها الإنسان لله: “نعم”، وللمال والشَّهوة والخوف: “لا”. وهذه اللَّحظة مُتاحَة لكلٍّ مِنَّا، الآن وهنا.
ومَن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما