Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (4) بعد العنصرة- العدد 26

الأحد 28 حزيران 2026

كلمة الرّاعي 

هامَتا الرُّسُل: صخرةُ كرسيِّنا الأنطاكيّ وكرازتُه

“وَأَنَا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” (متّى ١٦: ١٨)

لا تُعَيِّدُ الكنيسةُ المقدَّسةُ لهامتَيِ الرُّسُل بطرسَ وبولسَ كما يُعَيِّدُ العالَمُ لعُظمائه وأبطاله. فالعالَمُ يُمجِّدُ القُوَّةَ والنُّبوغَ والغَلَبة، أمَّا الكنيسةُ فتُمجِّدُ في رسولَيها نعمةَ اللهِ الَّتي حوَّلتْ صيَّادًا بسيطًا أنكرَ معلِّمَهُ ثلاثًا، ومُضطهِدًا عنيفًا كان “يَنفُثُ تهديدًا وقتلًا”، إلى عمودَين للحقِّ وفَمَين للكرازة… فمقاييسُ المسيحيَّة تتناقضُ مع مقاييس العالم للعظمة، ولسانُ حال الرُّسُل هو التَّالي: “كَأَنَّنَا حَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ” (٢ كو ٦: ١٠). وهذا منسجمٌ مع تعليم الرَّبِّ نفسِه الَّذي يحدِّدُ مقاييسَ الأوَّليَّة والعظمة قائلًا: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا” (مر ١٠: ٤٣–٤٤). فما الَّذي نُعَيِّدُ له في الحقيقة؟ إنَّنا نُعَيِّدُ لعَمل المسيح فيهما. ومَن أدركَ هذا، أدركَ أنَّ بابَ القداسة مفتوحٌ له هو أيضًا، مهما تعثَّرَ أو أخطأ… فعلى المسيحيِّين أن يقتدوا بالرُّسُل…

*             *             *

بطرسُ وبولسُ رجُلانِ مُختلفانِ كلَّ الاختلاف: واحدٌ من صيَّادي الجليل، بسيطٌ حارٌّ سريعُ الاندفاع، يُقدِمُ ويتراجع، يُحبُّ ويبكي؛ والآخَرُ فرِّيسيٌّ مُتعلِّمٌ عند قدَمَي غمالائيل، صارمٌ غيورٌ مُحاجِجٌ. لم يكونا تَوأمَين في الطَّبع ولا في الطَّريق، حتَّى إنَّ الكتابَ لا يُخفي أنَّهما تخالفا مرَّةً في أنطاكيةَ بعَينها (غلاطية ٢: ١١). ومع ذلك جمعتْهما صخرةٌ واحدةٌ هي المسيح، وروحٌ واحدٌ هو الرُّوحُ القُدُس، وشهادةٌ واحدةٌ خُتِمتْ بدمٍ سُفِكَ في رومةَ من أجل اسمٍ واحد. وفي هذا سرٌّ عظيمٌ للكنيسة: إنَّ وحدتَها ليست مبنيَّةً على تشابُهٍ في الأمزجة، بل على ائتلافٍ في الإيمان؛ ليست إلغاءً للتَّنوُّع، بل تقديسًا له في الحقِّ الواحد. كم نحتاجُ اليومَ أن نتعلَّمَ هذا، نحن الَّذين كثيرًا ما نخلِطُ بين الوحدة والتَّطابُق، فنُخاصِمُ الأخَ لأنَّه ليس صورةً عنَّا…

*             *             *

أهميَّةُ عيد الرَّسولَين بطرسَ وبولسَ تتأتّى من أنّهما مؤسِّسا الكرسيِّ الأنطاكيِّ المقدَّس قبل روما. ففي أنطاكيةَ، العاصمةِ والمدينةِ الأمِّ، “دُعِيَ التَّلاميذُ مسيحيِّينَ أوَّلًا” (أعمال ١١: ٢٦). هناك جلسَ بطرسُ فصارَ كرسيُّه عرشًا لخدمة خراف المسيح، ومن هناك انطلقَ بولسُ إلى الأمم فحُمِلَ الإنجيلُ إلى المسكونة. لم تكنْ أنطاكيةُ محطَّةً عابرةً في تاريخ الكرازة، بل مهدًا للاسم المسيحيِّ، وبيتًا أوَّلَ جمعَ اليهوديَّ والأمميَّ على مائدةٍ واحدة…

ورسوليَّةُ الكرسيّ الأنطاكيّ مستمرَّةٌ من أيَّام هامتَيِ الرُّسُل رغمَ الصِّعاب والضِّيقات والاضطهادات والزَّلازل الَّتي مرَّت على الشَّعب المؤمن على مرِّ القرون، وهي ممدودةٌ اليومَ في عيشِنا ونقلِنا ما عاشه الرُّسُلُ بالأمس: الإيمانَ نفسَه، والشَّهادةَ نفسَها، والمحبَّةَ الباذلةَ نفسَها. فكرسيٌّ يحفظُ تسلسُلَ أساقفتِه ويفقِدُ روحَ رُسُلِه إنَّما يحفظُ هيكلًا بلا حياة. وكنيسةٌ رسوليَّةٌ حقًّا هي الَّتي ما تزالُ تُنجِبُ بطرسيِّينَ وبولسيِّين: قدِّيسينَ وشهداءَ وخدَّامًا يبذلون أنفسَهم في البشارة لأجل الإنسان، شاهدينَ للمسيح الغالبِ الموتَ والواهبِ الحياة. هؤلاء يواجهون الظُّروفَ الصَّعبةَ الَّتي نعيشها في منطقتنا بروحٍ رسوليَّةٍ مفعمةٍ بالرَّجاء والإيمانِ الرَّاسخِ بالغَلَبة في المسيح…

*             *             *

أيُّها الأحبَّاء، ما أحوَجَنا، نحنُ أبناءَ هذا الشَّرقِ المُتعَب، أن نسمعَ في عيد الرَّسولَين هذه الدَّعوةَ سماعَ مَن تُقالُ له شخصيًّا! فالأزماتُ تُثقِلُ صدورَنا، والخوفُ على الغَد يدفعُ كثيرين إلى اليأس، أو إلى ترك الأرضِ والكنيسة، حتَّى ليُخيَّلَ إلينا أنَّ أبوابَ الجحيم قد بدأت تقوى علينا. لكنَّ السَّيِّدَ قال إنَّها “لن تقوى” على كنيسته؛ فلا على إيماننا تقوى إنْ نحن ثبَتنا كبطرسَ على الصَّخرة، ولا على رجائنا إنْ نحن سعَيْنا كبولسَ نحملُ النُّورَ حيثُ نكون…

وليست الرَّسوليَّةُ مطلوبةً من الإكليروس وَحدَهم؛ فكلُّ مؤمنٍ مدعوٌّ أن يكونَ رسولًا في موضعه: أبًا يشهدُ لأولاده بالمحبَّة لا بالقسوة، وأمًّا تحرسُ قنديلَ الإيمان في بيتها وسط ضغوط الحياة، وشابًّا يأبى الفسادَ وإنْ عمَّ، وعاملًا أمينًا حيثُ كثُرَ الغِشّ، وجارًا يحملُ همَّ جاره… فالنَّاسُ اليومَ لا تُقنِعُهم المواعظُ بقدرِ ما تلمسُهم الشَّهادةُ الحيَّة، تلك الَّتي بها غلبَ الرُّسُلُ العالَمَ لا بكثرةِ عددٍ ولا بقوَّةِ سلاح، بل لأنَّهم عاشوا ما بشَّروا به وماتوا في سبيله. هذا هو التَّحدِّي الحقيقيُّ لكلِّ واحدٍ منَّا: ألَّا نكونَ مُستهلِكينَ للإيمان، بل شهودًا له…

*             *             *

وفي هذا العيد، عيدِ كرسيِّنا الأنطاكيِّ المقدَّس، يَطيبُ لنا أن نرفعَ أنقى آياتِ التَّهنئةِ والمحبَّةِ البنويَّة إلى غبطة أبينا ومولانا البطريرك يوحنَّا العاشر الكُلِّيِّ الطوبى والجزيل الاحترام، بطريركِ أنطاكيةَ وسائرِ المشرق، سائلينَ له طولَ الأيَّامِ وثباتَ القيادة على صخرة الإيمان؛ وإلى آبائنا أعضاء المجمع الأنطاكيِّ المقدَّس مع جميع الأساقفة الجزيلي الاحترام، والآباء الأجلَّاء الكهنةِ والشَّمامسة الموقَّرين، والرُّهبانِ والرَّاهبات والمؤمنين والمؤمنات في كرسيِّنا الأنطاكيِّ المقدَّس… فعيدُكم مبارَكٌ، ولتكنْ شفاعةُ الرَّسولَين الجليلَين بطرسَ وبولسَ سياجًا لكنيستنا الأنطاكيَّة، وعزاءً لشعبها، وقوَّةً لشهادتها في كلِّ العالم وخاصّةً في هذا المشرق الَّذي منه أشرقَ نورُ الإنجيل على المسكونة. كلُّ عامٍ وكرسيُّنا الأنطاكيُّ بخير، راسخًا في رسوليَّته، أمينًا لوديعةِ آبائه…

ومن له أُذنانِ للسَّمعِ فليسمعْ…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة