Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (3) بعد العنصرة- العدد 25

الأحد 21 حزيران 2026

كلمة الرّاعي 

المُصالحة في المسيح والسَّلام مع الله

“إِذْ قَدْ بُرِّرْنَا بِالإِيمَانِ فَلَنَا سَلامٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ” (رومية ٥: ١)

جوهر البشارة كلِّها: “السَّلام”. لا السَّلام الَّذي يَعِد به العالم، ذاك الَّذي هو مجرّدُ غيابٍ للحرب أو هدنةٍ موقَّتة، بل سلامٌ أبديّ: “سلامٌ مع الله”. فالإنسان، منذ سقوطه، يحمل في أعماقه قلقًا لا يهدأ، وعداوةً خفيّةً مع خالقه ومع نفسه ومع أخيه ومع الكَوْن. وقد جاء المسيح ليُزيل هذه العداوة من جذورها، فيُصالحَنا مع الله في نفسه، ويردَّ إلى قلوبنا طمأنينتَه المفقودة. هذا السَّلام ليس شعورًا عابرًا، بل صفة أبناء الله.

كيف نِحصل على هذا السَّلام؟ لا بأعمالنا، ولا باستحقاقٍ مِنّا، بل “بِالإِيمَانِ” وحده، إذ “بِهِ حَصَلَ لَنَا الدُّخُولُ إِلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ”. نحن، إذن، “مُقِيمُونَ” في النِّعْمَةُ، هي ليست مَعبرًا نمرُّ به، بل مُستَقرٌّ نسكنه ووطنٌ نُقيم فيه. المؤمن لا يعبر بالنِّعْمَةَ إلَّا لِيَحْيَا فيها كما يَحْيَا الغصنُ في الكرمة، وهذا مِن مشيئة الله وقصده في إعطائه المؤمن تذوُّق هذه الخبرة وحجبها عنه لكي يكبر وينمو فيها، ويشتدُّ ثباته في المسيح.

*             *             *

ثباتنا في المسيح لا يتحقَّق إلَّا بِصَبْرِنا على الشَّدائد: “نَفْتَخِرُ بِالشَّدَائِدِ”. كيف يفتخر الإنسانُ بما يؤلمه؟ هنا يتكشَّفُ لنا سرَّ الطَّريق إلى الحياة الأبديَّة… فالشِّدَّةُ في حياة المؤمن ليست عقابًا من الله بل فرصة للشَّهادة للقيامة وللنُّموّ في الإيمان، هي ورشة تقديس يَصوغُ الله فيها النُّفوس بنعمته بالتَّآزُر مع الإنسان نفسه. وقد رسم لنا الرَّسول سُلَّمًا روحيًّةً تصعد فيها النَّفْسُ درجةً درجة: “الشِّدَّةَ تُنْشِئُ الصَّبْرَ، وَالصَّبْرُ يُنْشِئُ الاِمْتِحَانَ، وَالاِمْتِحَانُ الرَّجَاءَ “. فمَن لم يُجرَّب لم يَصبر، ومن لم يَصبر لم يَختبرْ أمانةَ الله ولم يَمْتَحِن إيمانَهُ، ومن لم يختبر أمانة الله لم يعرف محبّته ومن لم يمتحن إيمانه لم ينمو فيه، وتاليًا لم يَثبتْ رجاؤه. هكذا يتَحَوَّلُ الألمُ نفسَه بالصَّبر في الإيمان إلى بابٍ للرَّجاء في خبرة فِعلِ النِّعْمَةِ، ويَصير الصَّليبُ الطَّريق نحو القيامة.

وهذا الرَّجاء، كما يقول الرَّسول، “لا يُخْزِي”. فكم من رجاءٍ بُنِي بالاتِّكال على البشر خَيَّبَ أصحابَه وتركهم في الخزي! أمَّا رجاءُ المؤمن بالمسيح يسوع المخلِّص فمؤسَّسٌ على صخرةٍ لا تتزعزع، لأنَّ الَّذي وَعَدَنا أمينٌ وهو حقَّق كلّ خلاصنا في ذاته تحقيقًا كاملًا. وما قَوْل الرَّسول بولس بأنَّ “مَحَبَّةَ اللهِ قَدْ أُفِيضَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أُعْطِيَ لَنَا”، إلَّا الدَّليلُ القاطع على ثبات هذا الرَّجاء بحنان الله ومحبَّته الَّتي “أُفِيضَتْ” علينا أي أُغدِقَتْ بلا حُدود. فمحبَّةُ الله لا تُعطَى بحساب، بل تنسكب وتفيض ماءً حيًّا، بلا قياسٍ ولا تحفُّظ. والَّذي يحمل هذا الفَيْضَ إلى قلوبنا هو الرُّوح القدس، عربونُ خلاصنا والسَّاكنُ فينا ليُكسنَا نعمَتَه.

*             *             *

ذروةُ محبَّة الله للبشر، تظهر بقول بولس:(…) إِذَا كُنَّا خَطَأَةً بَعْدُ، مَاتَ الـمَسِيحُ عَنَّا”. بشريًّا قد يضحّي إنسان بنفسه لأجل آخَر إن كان هذا الآخَرُ صالحًا، لكن لا أحد يقبل أن يموت عن “مُنافق” أو “مُجرم”، ومع ذلك فابن الله مات لأجلنا ونحن خطأة لا بل مات لأجل صالبيه. لم ينتظرِ اللهُ أن نصير أهلًا لمحبَّتِهِ، ولم يطلب منَّا أن نصطلح أوَّلًا ثمّ يحبّنا؛ بل أحبّنا ونحن بعدُ خطأة، بل ونحن “أَعْدَاءٌ”. هذه هي المحبَّة الإلهيَّة في صميمها: محبَّةٌ تسبق استحقاقَنا، وتنحني إلى ضعفنا، وتموت من أجل من رفضوها. ومِن هنا فمقياس مسيحيّتنا كما يقول القدِّيس سلوان الآثوسيّ هو محبَّة الأعداء.

من هنا، لدينا اليَقين بالرَّجاء الَّذي لا يَخيب ولا يُخزي بأنَّ خلاصَنا الأبديّ بالمسيح محقَّق، إذْ قد صنع الله الأصعبَ ونحن أعداء — أي صالَحنا بموت ابنه — فكم بالأحرى يُتمّ الأسهلَ ونحن مُصالَحون، أي يخلِّصَنا “بِحَيَاتِهِ”. فالمسيح لم يَمُتْ لأجلنا فحسب، بل قام وهو حيٌّ إلى الأبد، يشفع فينا ويهب لنا حياته بالرُّوح القُدس في أسرار الكنيسة. مصالحتُنا تمَّتْ بصليبه، وخلاصُنا اكتمل بقيامته، وحياته تمتدُّ فينا بروحه القُدُّوس في النِّعْمَة…

*             *             *

أيُّها الأحبَّاء، ما أحْوَجَنا في زمنٍ كثُرَتْ فيه الشَّدائد وتزعزعتْ فيه القلوب وتشوَّشتْ، وازداد الخوف والقلق والاكتئاب والإحباط واليأس، ربَّما، في حياة النَّاس، أنْ نَسْمَع هذه الكلمات سماعَ مَن تُقال له شخصيًّا! لنا سلامٌ مع الله، فلا نَدَعِ الخوف من الغلبة على الشِّرِّير ومن الغد يسلبنا إيَّاه. نحن مُقيمون في النِّعْمَة إذا ثابرنا على حياة التَّوْبَة ومُساهَمَة الأسرار والخدمة، فلا نخرُجَنَّ منها بخطايانا وفُتورنا وعنادنا وجُبنِنا… ومحبّةُ الله مُفاضةٌ في قلوبنا، فلنفتحْها لها كلَّ يوم بالصلاة والإيمان والثِّقَة بالله مع العمل الدَّؤوب لطاعة الوَصيَّة… فإذا ضاقت بنا الضِّيقات، تذكَّرنا أنّها تَنسُج فينا صبرًا ورجاءً بالَّذي أحبَّنا وبذل نفسه من أجلنا؛ وإذا أثقلنا الشُّعورُ بعدم الاستحقاق فلنرجع إلى الله من أعماق نفوسنا وقلوبنا، ولنتذكَّر أنَّ المسيح مات لأجلنا ونحن خطأة. فمن أحبَّنا هكذا، أيمكن أن يتخلَّى عنَّا الآن؟!…

ولْنَجعلْ من حياتنا كلِّها جوابًا على هذه المحبَّة المُفاضة: شكرًا يرتفع من القلب بالمحبَّة الباذلة، وثباتًا في النِّعْمَة الَّتي نُقيم فيها بالصَّبر في الرَّجاء الَّذي لا يُخزي ومواجهة التَّجارب، وافتخارًا — لا بقُوَّتنا — بل بِيَقين مجد الله المحقَّق بالمسيح على الصَّليب…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة