نشرة كنيستي- الأحد (3) بعد الفصح (المخلَّع)- العدد 18
الأحد 03 أيَّار 2026
كلمة الرَّاعي
ماء الحياة
”في انتصافِ العيدِ اسِقِ نفسي العَطشى، من مياهِ العِبادَةِ الحسَنةِ أيُّها المُخَلِّص. لأنَّكَ هَتَفتَ نحو الكلِّ قائلًا مَنْ كان عطشانًّا فليأِت إلَّيَّ ويَشرَب. فيا يَنْبوعَ الحياةِ أيُّها المسيحُ الإلهُ المجدُ لك“ (طروبارية نصف الخمسين)
في عيد المَظالّ، كان اليهود يتركون بيوتَهم ويُقيمون في مَظالٍّ مؤقَّتة، لمُدَّةِ أسبوع، ليتذكَّروا أنَّهم غُرَباء ونُزَلاء في هذا العالم. كانوا يُحضرون ماءً مِن بركة سِلوام، في إناءٍ ذهبيّ، ويسكبه رئيس الكهنة أمام الشَّعب ليَدعو العَطشـى أنْ يقتربوا ويشربوا. كان ذلك إشارةً إلى الصَّخرة الَّتي كانت تَفيض ماءً للشَّعب في البَرِّيَّة. هذا كانوا يصنعونه خلال الأيَّام السَّبْعة الأولى للعيد، أمَّا في اليوم الثَّامِن، فلَمْ يَكُن رئيس الكهنة يُحـضِـر ماءً مِن البِرْكَة إشارةً إلى أنَّ الشَّعبَ صارَ يشرب من ينابيعِ كنعان وليس من مياهِ البَرِّيَّة.
في مِثلِ هذا اليوم، بالذَّات، وقَفَ الرَّبُّ يسوعُ المسيح، رئيسُ الكهنة الأعظم، ليكشف ذاته أنّه ينبوع المياه الَّذي يفيض بالماء الحَيّ في أعماقِ نفوسِ المُؤمنين، سائلًا إيَّاهم أنْ يشربوا بفَرحٍ مِن آبَارِ الخَلاص (راجع: إش ٣:١٢؛ زك ٨:١٤؛ يوئيل ٢٨:٢-٣٢).
* * *
تعَيِّدُ الكنيسة المُقَدَّسة في يوم الأربعاء من سُبَّة المُخَلَّع انتصافِ الخمسين، حيث يُعْلِن يسوع عن نفسه أنَّه ينبوع الماء الحَيّ: ”إنْ عَطِشَ أحدٌ فليُقبِل إلَيَّ ويَشرب. مَن آمَنَ بي، كما قال الكتاب، تَجري مِنْ بَطْنِه أنهارُ ماءٍ حَيّ“ (يوحنَّا 7: 37—38). هذا كان إعلانًا استباقيًّا عن العنصرة المُزمعة أن تصير بعد صعود الرَّبِّ إلى السَّماوات وفي اليوم الخمسين لقيامته من بين الأموات.
غاية التَّدبير الإلهيّ هي انسكابُ روح الرَّبِّ على المؤمنين به، لأنّه بدونه لا يستطيع أحد أن يُقبِل إلى يسوع ويعرفه ويتّحد به ويقتني صفاته الإلهيَّة. من لا يسكن فيه روح الرَّبّ يبقى في مواتِيَّتِهِ ولا يختبر سرَّ الحياة الجديدة في المسيح الغالب الموت والجالس عن يمين العظمة في الأعالي.
تجسَّد الرَّبُّ وأتمّ كلّ شيء لِنَصيرَ واحِدًا معه، لتسكن حياته فينا برُوحِهِ القدُّوس. هذا ليس كلامًا مجرَّدًا إنَّه جوهر إيماننا الَّذي بدونه لا معنى لأيِّ جهادٍ روحيٍّ نقوم به في سَعْيِنَا لطاعَةِ الكلمة الإلهيَّة. نحن لا نَعيشُ لأجل الثَّواب أو هَرَبًا من العِقاب، بل نَحيا مع الله وله لِنَصيرَ فيه وهو فينا لِنَكونَ واحِدًا معه… فتَفيض حياته من خلالنا في العالم.
* * *
أيُّها الأحبَّاء، الإنسانُ في شقاءٍ ما لم يقتني روح الرَّبّ حياةً له. من أين يأتي الفرح والرِّضا والسَّلام والحنان إلَّا مِن الله المحبَّة الَّذي يُعطينا ذاته في ابنه بروحه القدُّوس متى آمَنَّا به مَلكًا وإلهًا وسيِّدًا لحياتنا، أي متى أسلمناه مشيئتنا بالكُلِّيَّة.
لا يستطيع الإنسان أن يكون للمسيح ما لم يُحِبّ بالمحبَّةِ الَّتي أوصانا بها الرَّبّ. البشـر، بعامَّةٍ، كلٌّ منهم يطلب من الآخَر محبَّةً واحترامًا وطاعة ولا يطلب من ذاته أن يصنع كذلك مع الآخَر عملًا بالوَصيَّة الإنجيليَّة القائلة: ”فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ“ (متّى 7: 12).
ما مَعنى قيامة الرَّبّ وإيماننا بهذه القيامة ما لم نتغيَّر، ما لم نتحرَّر من كلِّ حقدٍ وكُرهٍ وغضبيَّة تستعبدنا، ما لم تتنقّى قلوبنا من كلّ أوساخ خطايانا؟!… كلام الرَّبّ يسوع هو الماء الحَيّ الَّذي يغسلنا ويُنَقِّينا ويُطَهِّرنا. كلام الرَّبِّ روحٌ هو لا يقتله حرف، للَّذين يؤمنون به، إنَّه نبعُ حياةٍ أبديَّة يفيض في الكيان ويُجدِّدُ الوجود ويَشفي كلّ سُقمٍ ومرضٍ وضعف: ”وَمَا شَفَاهُمْ نَبْتٌ وَلاَ مَرْهَمٌ، بَلْ كَلِمَتُكَ، يَا رَبُّ، الَّتِي تَشْفِي الْجَمِيعَ“ (حكمة 16: 12).
في انتصاف الخمسين نتشوَّق لانسكاب روح الرَّبّ علينا في العنصرة، ونتحـضَّـر بالارتواء من ماء الكلمة الإلهيَّة الحَيّ الَّذي يُطَهِّر ضمائرنا ونوايانا ويغسل قلوبنا من كلِّ دَنَس الخطيئة ويَروي عطشنا إلى الحُبِّ والفرح والسَّلام.
لِنَعُد إلى الرَّبّ بكلِّ جوارحنا، ولنطلبه من أعماق كياننا، ولتكن كلمته نِبراسًا يُهدي سبيلنا في معرفتنا لذَواتِنا وفي علاقاتنا بالآخَرين وفي طاعتنا لله.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما