نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد العنصرة- العدد 29
الأحد 21 تمُّوز 2019
كلمة الرَّاعي
”بالقلبِ يُؤْمَنُ للبِرِّ وبالفَمِ يُعتَرَفُ للخلاص“
( رومية 10: 10)
برّ النّاموس غايته أن يقود إلى المسيح. لكن إذ سلك اليهود في برِّ أنفسهم لم يعرفوا برّ الله. لذلك، حين أتى الرَّبّ يسوع المسيح إليهم ما عرفوه ”لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ“ (1 كورنثوس 2: 8).
حين يتعاطى الإنسان البِرَّ بروحٍ ناموسيّة ويقيس التزامه به بالأمور الخارجيّة دون العودة إلى حالة القلب وتغيّره بالشَّوْق إلى طاعة الوصيّة الإلهيّة الّتي جوهرها: ”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ …“ (تثنية الاشتراع 6: 4—6). الله لا يطلب من الإنسان طاعة له خارج الحبّ ولا علاقة معه خارج القلب …
* * *
برهن البـــــــشـر أنّهم في تعاطيهم البِرّ كشريعة عقليّة بحرفها لا بروحها أَدخلوا أنفسهم في الجهل، لأنّ النّاموس نور لسبيل الَّذي يحبّ الله وليس للّذي يتعاطى معه بروح إتمام الأوامر والفرائض دون رغبة في تغيير القلب. من يتعاطى كلمة النّاموس الإلهيّ كأحكام يُطفئ روح الكلمة فيه فتصير الكلمة له تمثالًا ينحته بما يوافق أهواءه وضعفاته وأنانيّته، فيُظْلِمُ قلبُه إذ تنطفئ فيه جذوة الحبّ الإلهيّ ويقسو ويتصخَّر ويتصحَّر … حينها لا يعود للإيمان مكان حقيقيّ في القلب، يتوهّم الإنسان أنّه مؤمن لكنّه لا يعرف نفسه على حقيقتها إذ قد قَوْلَبَهَا على شكل ومقاييس ما يتحكّم به من أفكار وتحديدات ينسبها إلى الله من خلال حرف النّاموس …
* * *
الرَّبّ يسوع المسيح أتى و ”افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا …“ (غلاطية 3: 13) لأنّ الناموس كَشَفَ الخطيئةَ وعاقَبَ عليها … أمّا الرَّبّ فقد أتى لأجل الخطأة والمرضى بالرُّوح ليمنح الأوَّلين الغفران والفِداء والثّانين الشِّفاء والصِّحَّة … لقد أوضح الرَّبُّ لنا أنّ الخلاص به وفيه ومنه وإليه لأنّه أتْحَدَنا به ومعه حاملًا خطايانا واسقامنا ليفتدينا من اللَّعنة ويمنحنا البركة. بالمسيح قوينا على الخطيئة وغلبنا الموت لأنّ برّ الله في المسيح كان أنّه وهو البريء من كلّ عيب اعتُبِرَ مذنبًا وحُكم عليه بسبب خطايا البشريّة جمعاء وهو قبل أن يحمل هذا كلّه ليحرِّرنا من أسر إبليس وعبوديّته. من يؤمن بالمسيح يسوع
ربًّا وإلهًا ومخلّصًا يفتح كيانه كلّه لنعمة الله بطاعة الوَصيّة. تصير الوَصيّة غذاء قلبه الَّذي يتحوّل بالطَّاعة إلى قوّة من لدن العليّ تمنح الإنسان القدرة على غلبة أهوائه ونكران مشيئته والتَّخلّي عن ذاته وإفراغها من أناها البغيض المُستعبد للحسد والكبرياء …
* * *
أيّها الأحبّاء، من يؤمن في قلبه ويثق ولا يشكّك بقيامة الرَّبّ يسوع المسيح، يُقيمه الرَّبّ من برّ نفسه والنِّفاق عليها، ويهبه الخلاص الحقيقيّ الصّادق الَّذي حقّقه لنا بتواضعه الأقصى، ويحدره معه إلى أعماق الجحيم ليُصعده غالبًا متجدِّدًا بالقلب في الرُّوح القدس إلى حياة جديدة في كمال البرّ بالحبّ الإلهيّ المتنزّل عليه بحنان الله وغفرانه، إذ يُدرك الإنسان عدم قدرته وعجزه عن إتمام وصيّة الله: ”لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ …“ (يوحنا 15: 13).
عظائم الله المصنوعة فينا، نحن الخطأة، بالإيمان من القائم من بين الأموات تجعل حياتنا كلمة بشارة وكرازة بخلاص الرَّبّ المُتَمَّم في المسيح وبه شهادة اعتراف بحبّه السّرمديّ لخليقته الّتي عبرت به وتعبر بنا إلى حياة الدّهر الآتي …
ومن استطاع أن يقبل فليقبل …
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما