نشرة كنيستي- الأحد (1) بعد الفصح (توما الرَّسول)- العدد 17
الأحد 26 نيسان 2020
كلمة الرَّاعي
يا تُومَا لا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ
“إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ” (يوحنا 20: 25)
كيف يموت إنسان ويتدمَّر جسده بالتّعذيب والصّلب وبعدها يقوم جديدًا متغيِّرًا غير خاضع لقوانين هذا العالم المادّيّة، يدخل الأماكن المُغْلَقَة وبنفس الوقت يأكل، ولكنّه غير مُحتاج للطّعام والشّراب ليحيا، ولا يمكن للمرض أو الموت أن يمسسه بعد! …
هذا ما لم يكن توما قادرًا على تصديقه. هل يموت إنسان ويحيا من جديد إلى الأبد؟! …
هذا هو رجاؤنا نحن المسيحيّين، هذا ما ننتظره وما نسعى إليه وما نطلبه في حياتنا هنا على الأرض. نحن نعيش في التّرابيّة، ولكنَّنا مؤمنون بأنّنا لسنا طينًا يعود إلى أمّه الأرض وتنتهي قصّته … نحن لم نُخلق من العدم لنعود إلى العدم، بل للخلود في الحبّ والفرح والنّور …
* * *
شكُّ توما هو شكُّ كلّ إنسان، لأنّ مسألة القيامة لا تنسجم مع العقل المحدود بما هو منظور وملموس ومحدَّد بالمقاييس … القيامة مسألة ماورائيّة تتعلَّق بما وراء الحجاب، حجاب حدودنا المخلوقة، ولذلك هي تتعلَّق بالإيمان. ”وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى“ (عبرانيين 11: 1). توما والرّسل أيقنوا بحقيقة ما لا يُرى ووثقوا برجاء القيامة. لهم أُعطي أن يكونوا شهودًا على هذا كلّه، ولذلك، فهم ثبّتونا في إيماننا بالقيامة وبالحياة الأبديّة مع الرَّبّ … هذه هي الشّهادة الرّسوليَّة عن حقيقة القــــــــــــــيــــــــامـــة و ”الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ“ (يهوذا 3).
لا غرو أنّ شكّ توما كان له الحدّ الفاصل بين الحقيقة والوهم، ولهذا جعل الرَّبّ من ضعف إيمانه قوّة للبشارة بحقيقة القيامة بالجسد من بين الأموات. رجاؤنا هو قيامة الجسد، لأنّ النَّفس لا تموت بموت الجسد بل تنتقل إلى حضرة الله. الجسد هو الّذي يفسد ويتحلَّل، وإيماننا بالقائم من بين الأموات يعني بأنَّنا واثقون من قيامتنا بالجسد في اليوم الأخير. نحن ننتظر ونترجَّى هذه الحياة الأبديّة حيث تلتئم كلّ البشريّة في حضرة الله، حيث يَمْضِي الّذين بلا رحمة ”إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ“ (متَّى 25: 46).
هدف التّجسُّد وكلّ سرّ تدبير الله الخلاصيّ هو هذه اللّحظة النّهائيّة الّتي تحقَّقت في المسيح القائم من بين الأموات، إذ فيه أُنجِز الخلاص، خلاص كلّ الخليقة وظهر الإنسان الجديد الإنسان الحقيقيّ والمُحَقَّق بحسب قصد الله. البشريّة في يسوع المسيح القائم من بين الأموات صارت تسير نحو الحياة من خلال الموت، بينما خارج المسيح تسير البشريّة في الحياة نحو الموت! …
* * *
اليوم، دخلنا زمنًا جديدًا الإنسانيَّةُ في ناجِزة بالمسيح وفيه. الإنسان الكامل تحقَّق، ليس كما يشتهي رؤساء هذه الدّنيا، أي على صورة الرّجل الخارق (Superman) الّذي يحقِّق العدل بالقوَّة الدنيويّة بل هو حقَّق العدالة الكاملة والرّحمة الكاملة بصليب الحبّ الإلهيّ لغفران خطايا البشريّة قاطبةً. لا يستطيع البشر أن يجعلوا الله على صورة أهوائهم، فهو قد كسَّر كلّ أصنامهم الفكريّة والإيمانيّة المشوَّهة الّتي تريد الله إله انتقام وقوّة تسحق الأعداء وتبيدهم، وإلهًا يجعل من عبيده أقوى من أعدائهم بذراع قدرته …
إلهنا علّمنا على الصَّليب أنّ موت الجسد يُغْلَبُ بالموت عن الجسد، موت الرّوح يُنتَصَرُ عليه بالموت عن روح العالم. الحسد غُلب بالمحبّة والحزم والقسوة باللّطف والمواجهة والاستكبار بالتّواضع وإعلان الحقّ والتّجبُّر بالوداعة وكلمة الله والتَّسلُّط بإخلاء الذّات وكِبَر النَّفس والألم بالاتَّكال على الله والصَّبر والخيانة بالمسامحة والمكاشفة …
* * *
أيُّها الأحبّاء، لا يَشُكَّنَّ أحدٌبقيامتنا بالجسد في يوم المجيء الثّاني للرَّبّ يسوع المسيح حيث سيدين الأحياء والأموات، فلنحيا بموجب هذا الرّجاء اليقينيّ الَّذي أكَّده لنا الرَّبّ من خلال سماحه لتوما بأن يشكّ ويتحدَّى إخوته الرّسل ويتأكَّد بأنّ الرَّبّ قد قام وأمات الموت وظهر للرّسل. فلنجاوب شكّ توما الّذي فينا بيقين الرّسول توما الّذي عاين أثر المسامير في اليدين والحربة في جنبه وجالس الرَّبّ يسوع، المنبعث من الرّمس، مع التّلاميذ لأربعين يوم بعد القيامة.
”طوبى للّذين آمنوا ولم يرَوا“ (يوحنا 20: 29). هذه تعزيتنا من الرَّبّ نفسه الّذي يشدِّد إيماننا. نحن نعرف أن الرَّبّ قام من بين الأموات لأنّنا نغلب الخطيئة بنعمته، ننتصر على الأهواء بقدرته، ونحمل صليبه بمعونة رحمته.
نحن ننتظر القيامة العامّة، ولكنَّنا منذ الآن نختبر الحياة الجديدة بالرّوح القدس السّاكن والفاعل فينا، ومن خلال سرّ الأفخارستيّا وباقي الأسرار الّتي فيها نعيش سرّ الملكوت الحاضر الآن وههنا والآتي في الدّهر العتيد … آمين
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما