Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (2) بعد العنصرة- العدد 25

الأحد 21 حزيران 2020

كلمة الرَّاعي

مَوْلِد يوحَنَّا المعمدان

ثلاثة نعيّد لميلادهم في الكنيسة هم: الرَّبّ يسوع المسيح ومريم والدة الإله ويوحنّا المعمدان. هذا، إن دلَّ على شيء، فهو يدلّ على أهمية خاصَّة لوالدة الإله والمعمدان بما يتعلَّق بسرّ الرَّبّ يسوع المسيح.

والداه من سبط لاوي من عائلتَين كهنوتيّتَين. كان مقدَّرًا له أن يكون كاهنًا لله العليّ، لكنّه عوضًا من انطلاقه لخدمة الرَّبّ ككاهن جعله الله نبيَّ الأزمنة له، إذ كان خاتمة أنبياء العهد القديم والذي مهَّد الطّريق أمام الرَّبّ يسوع المسيح المخلِّص المُنتَظَر.

*             *             *

بدأ يوحنّا دعوته العلنيّة في سنّ الثّلاثين وهو السّنّ الرّمزيّ لكمال البلوغ، كما أنّه السّنّ التّقليديّ لبداية بشارة الرَّبّ يسوع المسيح ومن المعروف وجود التّزامن في دعوتي يسوع ويوحنّا، كون يوحنّا يكبُر الرَّبّ يسوع بستّة أشهر بحسب إنجيل لوقا، إلى جانب أن العهد القديم ينصّ أن أبناء اللّاويّين تبدأ خدمتهم الكهنوتيّة في سنّ الثّلاثين.

يوحنّا أتى نبيًّا محقِّقًا وعد الرَّبّ في الأنبياء لكي ”يَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ“ (ملاخي 4: 6) ويدعو المنتظرين خلاص إله إبراهيم واسحق ويعقوب قائلًا: ”عَزُّوا، عَزُّوا شَعْبِي، يَقُولُ إِلهُكُمْ. (…) أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلًا. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لأَنَّ فَمَ الرَّبّ تَكَلَّمَ“ (إشعياء 40: 1—5).

*             *             *

يوحنّا هو الشَّاهِد الأمين للرَّبّ يسوع المسيح، الَّذي عرف أن يشير إلى حمل الله وأن يصغر ويختفي ليدلّ على ”المنتَظَر“ و“مشتهى الأمم“. لم يطلب يوحنّا لذاته شيئًا سوى الشّهادة للكلمة الإله حتّى الموت مقطوع الرّأس، لأنّ حامِل كلمة الحقّ يقطع باستقامة مواقفه وتكون أعماله أيقونة شفّافة للحقيقة الّتي يشهد لها…

يوحنّا نموذج لآباء الكنيسة ومثال في التّواضع والتّمسُّك بالحقّ حتّى بذل الدّم. هو عرف كيف يختفي في حضور العريس والحمل، وتمسَّك بالأمانة لمن أرسله إذ أسلم إليه كلّ حياته ووجوده بالاستشهاد لأجل الشّهادة لحقّ الآب، واحتجب عن أعيُن تلاميذه ليروه في المعلّم الّذي تبعوه، لأنّه صار صوت الكلمة المسموع أبدًا في تمتمات روح الإله في هذا العالم وفي الدّهر الآتي…

عظمة يوحنّا تأتي من شهادة الرَّبّ يسوع له إذ قال عنه: ”لم يقم بين المولودين من النّساء أعظم من يوحنّا المعمدان“ (متّى 11: 11). لماذا؟ لأنّه حمل الكلمة الإله كما يحوي المصباح النّور. يوحنّا كان حاملًا للإله بالرّوح الّذي جعله يرتكض في بطن أمّه إليصابات حين التقاه جنينًا في بطن مريم البتول… لقد ظهر ليختفي واختفى ليظهر إلى الأبد في جوار الرَّبّ يسوع المسيح مع والدة الإله…

*             *             *

أيّها الأحبّاء، علينا أن نكون يوحناويّين أي أن نتعلّم الاحتجاب ليظهر الرَّبّ، أن نختفي نحن ليتبع المؤمنون المعلّم، أن نشهد حتّى بذل الدّم (أي حياتنا كلّها) لكي نربح شهادة المصلوب عنّا لنا أمام أبيه والملائكة القدّيسين كما شهد ليوحنّا.

نتعلّم من يوحنّا المعمدان أنّ من اختاره الرَّبّ يصير إناء النّعمة الإلهيّة وحافظًا لأسرار الكلمة الإله وكاشفًا لها شهادة للّذي انتقاه ودعاه ونقّاه بالغسل الإلهيّ في الماء والرّوح وبالكلمة الإلهيّة…

”كان النّاموس والأنبياء إلى يوحنّا. ومن ذلك الوقت يُبَشَّر بملكوت الله وكل واحد يَغتصِبُ نفسه اليه“ (لوقا 16: 16). يوحنّا كان رجلًا في الرّوح والحقّ بكلّ ما للكلمة من معنى، وهو كشف لنا طريق الجهاد الرّوحيّ بالتّقشّف والنّسك والصّرامة والحزم في طاعة الله حبًّا بالمخلِّص، فهل نحن مستعدّون أن نتخلّى عن حبّ العالم وما فيه لأجل حبّ الّذي أحبّنا حتّى بذل نفسه عنّا وأعطانا روح قيامته وقدرته؟!…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة