Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (3) بعد العنصرة- العدد 26

الأحد 28 حزيران 2020

كلمة الرَّاعي

ما بين البِرِّ والبراغماتيّة

“أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ” (مزمور 45: 7)

كلّ من اعتمد على اسم الثّالوث القدُّوس صار ممسوحًا للرَّبّ، مسيحًا صغيرًا مدعوًّا للنّموّ “إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ” (أفسس 4: 13). الممسوح أي المسكوب عليه روح الرَّبّ القدُّوس، ممتلئ من نعمة الإله المثلّث الأقانيم، وبالتّالي عليه أن يتجاوب مع عمل الله فيه ليصير أيقونة حيَّة للمسيح الإله المتجسِّد. الممسوح للرَّبّ يصنع البرّ ويطلبه ولا يحتمل الإثم ويمجّه، في داخله أوَّلًا وفي العالم ثانيًا…

*             *             *

البراغماتية (Pragmatism)‏ أو المذهب العمليّ هو تقليد فلسفيّ بدأ في الولايات المتّحدة حوالي عام 1870. غالبًا ما تُنسب أصول هذا المذهب إلى الفلاسفة تشارلز ساندرز بيرس (1839- 1914) وويليام جيمس (1842 – 1910) وجون ديوي (1859 – 1952). وصفه بيرس في مقولته البراغماتيّة: “فَكِّرْ في التّأثيرات العمليَّة للأدوات من خلال تصوُّرك. من ثمّ، فإنَّ تصوُّرَك لهذه التّأثيرات هو كلّ تصوّرك لتلك الأدوات”. وذهب وليام جيمس إلى أن المنفعة العمليَّة هي المقياس لحقيقة الأشياء. ويؤكِّد جيمس أنّ الحقيقة هي مجرّد منهج للتّفكير، كما أنّ الخير هو منهج للعمل والسّلوك؛ فالحقُّ اليوم قد يصبح باطلًا غدًا، والايديولوجيّات المنطقيّة والثّوابت الّتي ظلّت تُعتَبر حقائق لقرون خَلَتْ ليست حقائق مطلَقة، بل ربّما أمكننا اعتبارها باطلة. ويعتقد جيمس أنَّ العمل هو مقياس الحقيقة، “فالفكرة حقَّانيّة عندما تكون مُفيدة. ومعنى ذلك أنَّ النَّفع والضَّرر هما اللَّذان يحدِّدان الأخذ بفكرة ما أو رفضها”.

ويعتبر البراغماتيُّون بأنَّ الَّذي ندعوه “الحقّ” إنما هو فرضيَّة عمليَّة، أي أداة مؤقَّتة نستطيع بها أن نُحيل قطعة من الموادّ الأوّليّة إلى قطعة من النِّظام. وهذا التّعريف للعالم، يعني أنّه خاضع للتَّحوُّلات والتَّغيرُّات الدَّائمة، ولا يمكن أن يستقرَّ على حال، “فما كان حقًّا بالأمس، أي ما كان أداة صالحة أمس، قد لا يكون اليوم حقًّا. ذلك بأنّ الحقائق القديمة، كالأسلحة القديمة، تتعرَّض للصَّدأ وتغدو عديمة النَّفع”. بالنّسبة للبراغماتيِّين إنّ معظم الموضوعات الفلسفيّة، مثل طبيعة المعرفة، اللّغة، المفاهيم، المعنى، المعتقد والعلوم يُنظر إليها، على أفضل وجه، من حيث استخداماتها العمليّة ونجاحاتها. من هنا، ينظر البراغماتيّون إلى المعرفة على أنّها ما ينبغي لنا أن نصدّقه ونؤمن به، أمّا القيم فما هي سوى فرضيّات حول ما هو جيّد في العمل.

*             *             *

المسيحيّة لا تنسجم مع البراغماتيّة، لا بل تتناقض معها، لأنّ غاية المسيحيّة هي الحياة الأبديّة بينما غاية العملانيَّة هي حياة هذا الدَّهر. الإنسان العملانيّ ليس عنده مبادئ ثابتة، بل تتغيَّر بحسب ما يناسب مصالحه، ومصلحة الشّخص قبل أيّ مصلحة. من هنا ترتبط البراغماتيّة بالفردانيَّة (Individualism) ارتباطًا وثيقًا، كون الفردانيّة تدعو إلى تحقيق أهداف الفرد ورغباته لتكون قِيَمُهُ مستقلةً ويكون معتمدًا على نفسه. وتعتبر الفردانيّة أنّ الدّفاع عن مصالح الفرد مسألة جذريّة يجب أن تتحقّق فوق اعتبارات الدّولة والجماعات.

العالم اليوم تتحكّم فيه الفردانيّة البراغماتيّة، ولذلك صار الإنسان المعاصِر بعيدًا عن الإيمان كون ثقافته تدفعه بعيدًا عن الآخَر غذ الآخَر ليس سوى أداة لتحقيق الغايات الفرديّة الّتي يشاؤها ويُحدِّها الفرد بحسب شهواته وأهوائه الّتي تصدر عنه أو تُزرع فيه من خلال الإعلام والإعلان…

*             *             *

أيّها الأحبّاء، ليست هذه الحياة غاية بحدّ ذاتها وليس الإنسان قيمة قائمة في نفسه. الله هو أعطى الإنسان ماهيّته وحقيقته وغاية وجوده، الإنسان يحقِّق المنفعة من حياته حين يحقِّق وجوده أي حين يحيا لأجل الآخَر وليس لأجل نفسه. كلّ ما يجمعه الإنسان لذاته بعيدًا عن خالقه لا قيمة له لأنّه “بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ” (جامعة 2: 11). فقط ما يُجنى من الحبّ هو ثمرة “شجرة الحياة” (تكوين 2: 9)، ما عدا ذلك يبعث الموت في الإنسان لأنّه من ثمار “شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ”.

لا ننخدعنَّ، يا أحبّائي، بما يعرضه علينا العالم من حرّيّة ومعرفة وسعادة زائفة، الحقّ يصنع حياتنا ونحن لا نصنعه، إمّا أن نأتي منه وإمّا أن نموت في ذواتنا. ليس لنا حياة في أنفسنا والعالم زائل وفانٍ… فقط الله هو كبير وهو المعنى الأخير لوجودنا…

“لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ…” (متّى 6: 33).

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة