Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد العنصرة (آباء المجمع المسكونيّ الرَّابع)- العدد 29

الأحد 19 تمُّوز 2020

كلمة الرَّاعي

روح الغيرة الإلهيّة عند الآباء والنّبي إيليَّا

“قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْـــــــــــــــرَائِــيــــلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَـــــــفْسِـــــــــــي لِيَأْخُذُوهَا” (1 ملوك 19: 10)

لست وحدك يا إيليَّا لأنّ الرّبّ أبقى لنفسه “فِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الّتي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ” (1 ملوك 19: 18). الله لا يترك نفسه بدون شهود، وشهوده في كثير من الأحيان شهداء على مذبح الحقّ. لا يَهاب رجال الله الموت إذا ما واجهوه لأجل حقّ الله والأمانة له. هكذا عاش الأنبياء وكذا سلك آباء الكنيسة على مرّ القرون. من يقرأ تاريخ الكنيسة يعرف أنّ كلّ مرحلة من مراحل إعلان العقيدة القويمة كانت مخاضًا نتج عنه شهود كُثُر أكانوا شهداء أم معترفين. الأساس هو هذه الغيرة على الحقّ والأمانة لرسالة الخلاص الّتي كشفها لنا الرّبّ في ذاته حين أتانا إنسانًا تامًّا وهو الإله الكامِل…

*             *             *

الآباء الّذين نعيّد لهم اليوم هم آباء المجمع المسكونيّ الرّابع الّذين اقرُّوا العقيدة الخاصّة بأقنوم الكلمة المُتجسِّد بأجلى بيان، فحدَّدوا الآتي: “إنّ المسيح هو نفسه تامّ في الألوهة وتامّ في البشريّة، إله حقّ وإنسان حقّ. إنّه مساوٍ للآب في الألوهة ومساوٍ لنا في البشريّة، شبيه بنا في كلّ شيء ما خلا الخطيئة. قبل كلّ الدّهور وُلد من الآب بحسب الألوهة، وفي الأيّام الأخيرة هو نفسه، لأجلنا ولأجل خلاصنا، وُلد من مريم العذراء و الدة الإله، بحسب البشريّة. واحدٌ هو، وهو نفسه المسيح، ابن الله، الرّبّ، الّذي يجب الاعتراف به في طبيعتين متّحدتين دون اختلاط ولا تحوّل ولا انقسام ولا انفصال. وهو لم ينقسم ولم ينفصل إلى شخصين، بل واحدٌ هو، وهو نفسه الابن الوحيد، الإله الكلمة، الرّبّ يسوع المسيح”.

*             *             *

هذا الإيمان هو نور حياة المؤمنين، لأنّه يكشف حقيقة الإنسان في قصد الله. شابَهَنَا الله في ما لنا لنشابهه في ما له. هذه هي الخلاصة الجوهريّة من عقيدة خلقيدونية، أنّ الألوهة اتَّحَدَت بالطّبيعة البشريّة، اشتركت الطّبيعة البشريّة بما للألوهة في أقنوم الرّبّ يسوع المسيح الإله المتجسّد. هذا نتج عنه ما نســــــــــــمّـــــــــــــــــيـــــــه ”تــــــــــــــــبـــــــــادل الخصائص“           (communication des idiomes) أي أن ننسب إلى أقنوم الإله-الإنسان الواحد كلّ ما يختصّ بالألوهة والطّبيعة البشريّة. كيف نرى هذا في الإنجيل؟ على سبيل المثال لا الحصر، يقول الرّبّ لليهود: ”قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ“ (يوحنا 8: 58). نرى في هذا التّصريح إعلان الرّبّ يسوع عن ألوهيّته ووجوده الأزليّ. هو يتكلّم مع اليهود كإنسان واقف أمامهم، ولكنّه في نفس الوقت الإله الّذي كلّم إبراهيم، وهو ”الكائن“ (كما عرّف عن نفسه لموسى في حدث العلَّيقة المُلتهِبة في خروج 3) الّذي خلق الكون وحرَّر إسرائيل من عبوديّة مصر. من ناحية أخرى ننسب للألوهة ما يختصّ بالطّبيعة البشريّة، كما يعبِّر بولس الرَّسُول قائلًا: ”لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ“ (1 كورنثوس 2: 8). الرّبّ لا يمكن أن يصلب ويتألّم ويموت، ومع ذلك يقول بولس بأنّهم ”صلبوا ربّالمجد“. هكذا ننسب ما هو للطّبيعة البشريّة إلى الألوهة دون أن يعني هذا أنّ الألوهة صُلبت، ولكن أقنوم الإله الكلمة صُلب بالجسد.

ما نتيجة هذا علينا نحن البشر؟ الألوهة تستقرّ في جسدنا بالنّعمة، فنصير ”شركاء الطّبيعة الإلهيّة“ (2 بطرس 1: 4)، أي نصبح بشرًا متألِّهين أي نحمل صفات الله وحياته وقوّته…

هذه هي عقيدة المجمع الرّابع المَسكونيّ، وهذا هو معنى الخلاص في المسيحيّة، إنّه الحصول على الحياة الأبديّة عبر الاشتراك بحياة الله، ذاتها، غير المخلوقة بالنّعمة الّتي نحصل عليها عبر اتّحادنا بالمسيح في الرّوح القدس من خلال أسرار الكنيسة المُقدَّسة والصّلاة وكلّ عمل نقوم به بروح الرّبّ…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة