نشرة كنيستي- أحد العنصرة العظيم- العدد 23
الأحد 07 حزيران 2020
كلمة الرَّاعي
روح الرَّبّ المالئ الكلّ
”فِي الْبَدْءِ خَـــــــــــــلَــــــــــــــقَ اللهُ السَّــــــــــــــــــــــمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَــــــــــــــتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَــــــــــــــالِـــــــــــــــيَــــــــــةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَـــــــــــــــمْــــــــــــــرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْــــــــــــهِ الْمِـــــــيَـــــاهِ“
(تكوين 1: 1—2).
روح الله مجهول علينا لأنَّنا لا نراه (راجع يوحنّا 14: 17)، مع أنّه حاضِر في كلّ الخليقة المنظورة وغـــــــــــيــــــــــــر الـــــــــــــمــــــــنـــــظـــــــورة كـــــــــــونـــــه ”الــــــــــــصّــــــــــانع الحياة (ζωοποιός). ربّما، نحن المسيحيّين نتعاطى ونتواصل مع الله من خلال علاقتنا بالرَّبّ يسوع المسيح، كونه الإله-المتجسِّد، ولكن لا يمكننا أن نعرف الرَّبّ يسوع بدون نعمة الرّوح القدس: ”لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَـــــــــــقُـــــــــولَ: ’يَسُـــــــــــــــــــــــــوعُ رَبٌّ‛ إِلَّا بِــــالرّوح الْــــقُـــــــــــــــدُسِ“ (1كورنثوس 12: 3). الرّوح القدس هو الَّذي يوصلنا إلى يسوع أو بالأحرى يعطينا يسوع، يهبنا إمكانيّة سُكنى المسيح فينا وسكنانا فيه… بالرّوح القدس يُسْكِنُ فينا الثّالوث القدُّوس بالنّعمة الإلهيّة الّتي نقتنيها عبر اتّحادنا بالمسيح يسوع إذ نصير أعضاء في جسده المقدَّس-الكنيسة…
* * *
لا ينفصل عمل الثّالوث في سرّ خليقته، الآب هو الَّذي يريد لنا الوجود مع الابن والرّوح، والابن يتمِّم مشيئة الآب في العالم بالرّوح القدس. هكذا، بعد أن جبل الله الإنسان من تراب الأرض، ”وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً“. زُرِع ”الكلمة المبذور“ (σπερματικός λόγος) في آدم الأوّل بالرّوح القدس، فصار آدم على صورة الله… وعلى آدم الثّاني استقرّ روح الله (راجع متى 3: 16) لأنّه بَهَاءُ مَجْدِ الآب، ”وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ…“ (عبرانيين 1: 3). هكذا الابن المتجسِّد كشف سرّ الآب بعمل الرّوح القدس، ولذلك ”مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرّوح الْقُدُسِ فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً…“ (مرقس 3: 29)، لأنّه يُجدِّف على الله الآب الفاعِل بالابن، كون الابن يعمل أعمال أبيه (راجع يوحنا 5: 19—20). الرّوح القدس يعرّفنا بيسوع ومن خلال يسوع يوصلنا إلى الله الآب، لأنّه يأخذ ما هو من الآب بالابن ليهبنا إيّاه (راجع يوحنَّا 16: 13—15)، ليكون عمل الثّالوث واحدًا غير منقسم ولا منفصل في سرّ الوحدة الّتي بالمحبّة الإلهيّة الثّالوثيّة الموهوبة لنا الّتي من الآب بالابن في الرّوح القدس…
* * *
الرّوح القدس هو روح الحكمة، والحكمة هي رمز الابن الكلمة (Logos). العلاقة بين الابن والرّوح يوضحها سفر الحكمة بصورة رائعة، إذ يكشف سرّ الوحدة بين الرّوح والحكمة، فإنّ الحكمة ”فِيهَا الرّوح الْفَهِمَ الْقُدُّوسَ، الْمَوْلُودَ الْوَحِيدَ ذَا الْمَزَايَا الْكثِيرَةِ، اللَّطِيفَ السَّرِيعَ الْحَرَكَةِ، الْفَصِيحَ الطَّاهِرَ النَّيِّرَ السَّلِيمَ الْمُحِبَّ لِلْخَيْرِ، الْحَدِيدَ الْحُرَّ الْمُحْسِنَ، الْمُحِبَّ لِلْبَشَرِ، الثَّابِتَ الرَّاسِخَ الْمُطْمَئِنَّ الْقَدِيرَ الرَّقِيبَ، الَّذِي يَنْفُذُ جَمِيعَ الأَرْوَاحِ الْفَهِمَةِ الطَّاهِرَةِ اللَّطِيفَةِ“ (حكمة 7: 22-23). هكذا، الرّوح القدس يأخذ ممّا للكلمة الابن ويعطينا (يوحنّا 16: 14). فكما أنّ كلّ ما للآب هو للابن، كذلك، كلّ ما هو للابن هو للرّوح القدس، وكلّ ما هو للروح القدس يعطينا إيّاه بواسطة الابن في الكنيسة من خلال الأسرار الإلهيّة الّتي تُتْحِدنا بالآب. الرّوح القدس هو روح تقديسنا، هو من يجعلنا على صورة المسيح، من يجدِّد فينا سرّ تألُّهنا في هذا الدّهر ومن يحقِّقه في الدّهر الآتي عبر الاتحاد الكامل مع الله الآب باستقرارنا في الابن ليصير الرّوح القدس حياتنا…
* * *
أيُّها الأحبّاء، فلنطلب الرَّبّ بإيمان صادِق وقلب مستقيم نقيّ، لأنّه لا يُخفي ذاته عن محبّيه الأمناء بل يكشف لهم ذاته بروحه ”لأَنَّ رُوحَ الرَّبِّ مَلأَ الْمَسْكُونَةَ“ (حكمة 1: 7)، وهو سيّد الحياة ومصدرها، فلا يناقض الله ذاته، أي أنّ الموت ليس من الله بل من المنافقين الَّذين سلكوا في خداع الافعوان-إبليس. الموت استدعاه الكذب والحياة يستدعيها الحقّ. من يسلك في روح الكذب يجلب على عالمه الزّوال والخراب بكبريائه وريائه، ومن يسعى في طلب الحقّ تتنزَّل عليه الحياة الأبديّة بالرّوح القدس ويجلب على المسكونة حضور ملكوت الله في أورشليم السّماويّة الّتي هي الكنيسة-جسد المسيح من ”لا فناء لملكه“…
لا ننخدعنّ يا أولادي بالأرواح الّتي في العالم، لأنّ ثمار روح الرَّبّ واضحة وجليّة وهي ”مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ“. هذه هي ثمار من يسلك في الحقّ بطاعة الكلمة الإلهيّة، وهذه لا تَخفى لأنّ الرّوح ينادي الرّوح في من كان مولودًا من الرّوح …
ومن استطاع أن يَقبَل فليَقبَل…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما