نشرة كنيستي- أحد البارَّة مريم المصريَّة- العدد 14
الأحد 05 نيسان 2020
كلمة الرَّاعي
خبرة مريم المصريّة اليوم
فتاة متفلِّتة حتّى أبعد حدود الوقاحة، منذ سنّ الثّانية عشرة، حين تركت منزل والدَيها لتحيا في الإباحيّة. هي اختارت اتّباع شبق جسدها وملذّاته. لم تكن تبغي ربحًا مادِّيًّا من ممارستها للدّعارة، بل إشباع وحش اللَّذَة الَّذي استولى على كيانها نفسًا وجسدًا.
سافرت إلى أورشليم لإرضاء غرورها وزهوِّها بنفسها بغية إيقاع أناس جدد في حبال إغوائها. اختارت أن تصعد في سفينة للحجاج الذّاهبين إلى الأراضي المقدَّسة للاحتفال بعيد رفع الصّليب الكريم المقدَّس. أفسدت العديدن من الّشباب الّذين كانوا على متن المركب.
في يوم العيد، سارت مع الطَّالِبين بركة صليب الرّبّ، وحين وصلت أبواب الكنيسة لم تستطع الدّخول، ليس بسبب الازدحام الكبير، ولكن، لأنّ قوّة كانت تدفعها خارجًا. وقع نظرها على أيقونة والدة الإله الكليّة القداسة، فطلبت إليها أن تحصل على بركة السّجود للعود الكريم وستترك العالم وما فيه لتتوب في المكان الّذي تقودها إليه البتول.
بعد أن تباركت مريم من صليب الرَّبّ، وعلى أثر ذلك، سمعت صوتًا من السّماء يقول لها: “إذا عبرت الأُردنّ تجدين راحةً مجيدةً”. من ثَمَّ، ذهبت إلى كنيسة السّابق يوحنّا المعمدان، الّتي على الأردنّ، هناك، تناولت القربان المقدَّس، وانطلقت إلى البرّيّة لتقضي بقيّة حياتها. أمنيتها الأخير كانت أن يمنحها الرَّبّ أن تتناول جسده ودمه قبل أن تغادر هذه الفانية، فأرسل لها الله، بعد سبع وأربعين سنة، الرّاهب-الكاهن زوسيما الّذي ناولها الأسرار الإلهيّة، ومن بعدها رقدت في الرَّبّ. سبع وأربعون سنة قضتها في التّوبة في البرِّيَّة تجاهد ضدّ أهواء التّراب الَّذي فيها إلى أن حباها الله بعد سنيها السّبعة عشرة الأولى أن تتحرَّر من حرب شهوة البدن وأفكارها، وأن تستنير ترابيّتها بنور النّعمة الإلهيّة غير المخلوقة. صراع مرير مع أصعب عدوّ الّذي هو الذّات، الأنا …
نسكها كان حربًا ضروسًا لا هوادة فيها، لأنّ كلّ خليَّة من خلايا كيانها كانت تتحرَّك بالشَّبَق فتتحرَّق هي بالشَّهوة إذ يطلب البَدَنُ لَذَّة الحواسّ … غلبتها كانت، بنعمة الله، وبثباتها في أمانتها لوعدها لوالدة الإله الّتي أرشدتها في طريق التّوبة … شوقها كان أن تساهم القُدُسات الإلهيّة قبل رقادها، وقد حباها الله هذه البركة في يوم الخميس العظيم المقدَّس … فدخلت الحرّيّة الكاملة بالحبّ الكبير الّذي لأجله مُنِحَت الغفران الكبير …
* * *
اليوم، العالم لا يرى شرًّا في ما كانت تعيشه مريم من عبادة للجنس، لأنّ أسياد هذا العالم يُسوِّقون الحياة على أنّها تواتر ملذَّات الجسد. لذلك، من لا يستطيع إرضاء جسده فهو ليس حيًّا، ولكي يستطيع المرء إشباع أوهام السّعادة بحسب ”حضارة“ عالم اليوم، لا بدَّ له من المال. هكذا صار الإنسان مدمنًا العمل للحصول على المال، ليصرف هذا المال على ملذّاته الّتي يُقنعه بها من يحدِّدون للإنسان طريق السَّعادة … وإذا لم يكن قادرًا على جني المال، يبيع مبادءه الأخلاقيّة وجسده ليحصل على الإثنين، أي اللَّذَّة والمال …
عالمنا اليوم مَبيع لأسياد الإعلام والإعلان والسّلطة الَّذين يريدون السّيطرة على البشريّة ليصنعوا منها عبيدًا لهم يقودونهم في الطّريق الَّذي يرسمونه لهم، طريق محاربة الله أي إفساد الإنسان وجعله آلة للعمل وآلة للجنس … فهل ينجحون؟! …
* * *
أيُّها الأحبَّاء، نحن لسنا أبناء العالم نحن أبناء الله، وهذا يحمِّلنا مسؤوليّة، من جهة، وهو عطيّة ما بعدها عطيَّة، من جهة أخرى: ”لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ، لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِاسْمِي …“ (يوحنَّا 15: 16). نحن المسيحيّين لدينا رسالة إلهيّة خلاصيّة ننقلها للعالم، رسالة رجاء بحياة جديدة في المسيح الَّذي مات لأجلنا ووهبنا أن نقوم معه. مريم المصريّة هي مثال عن قوّة الله الّتي تعيد ولادة الإنسان من فوق بمعموديّة دموع التّوق إلى الموت عن الموت وشوق الرّوح القدس فينا إلى الله منتزعًا إيَّانا، بخبرة لطفه اللّامتناهي وحنانه الَّذي لا يُسبَر غوره، من براثن تنِّين الأنا، وهي، أيضًا، نموذج لنا عن حقيقة قيامة الإنسان في المسيح إلى فرح الحبّ الإلهيّ وجِدَّة الحياة بالتّوبة.
* * *
اليوم، نحن مدعوون لنتمثَّل بمريم في عزلتها النّسكيّة للتّوبة في بيوتنا، خاصّةً في زمن الكورونا الَّذي يجبرنا على الانكفاء كلّ إلى منزله حفاظًا على نفسه وعلى الآخَرين. فلنجعل بيوتنا برِّيّة توبة، ولنتشوَّق بالتّوبة إلى المسيح، الَّذي نحن محرومون من مساهمة جسده ودمه الإلهيَّين، لكيما نتنقَّى كالمصريّة بدموع المعرفة الكيانيّة لسقوط البشريّة الّتي فينا والّتي نحملها كلّها في ذواتنا، لنرفعها إلى الرَّبِّ مع زفرات قلوبنا ذارفين عَبَرَات الشّوق للرجوع إلى الأحضان الأبويَّة …
أيُّها الأحبّة، رجاؤنا بالرَّبِّ لا يمكن أن يخيب، نحن على ثقة تامَّة بعناية الله ورحمته، لكن علينا مسؤوليّة أن نساهم بالوعي والصّبر والحكمة لتعبر هذه الأزمة الوبائيّة الّتي يعيشها العالم كلّه بأقلّ الأضرار على الجميع. لتحقيق هذا الأمر، علينا جميعًا الالتزام بالإرشادات الّتي تطلبها منَّا الجهات المختصَّة وأن نتحمَّل زمنًا يسيرًا بُعدَنا عن اللّقاء الجسديّ مع بعضنا البعض وعن مشاركتنا صلوات هذا الزّمن المبارك في الكنيسة، مستفيدين من هذه الخبرة لندخل في عمق الحياة الجديدة في المسيح بالتّوبة الصّادقة والاتِّضاع بالتَّخلِّي عن المشيئة الذّاتيَّة وحمل كلّ إنسان حولنا في صلاتنا وسعينا لمشاركة الخيرات فيما بيننا لكي لا يكون حولنا من لا يستطيع أن يؤمِّن حاجاته …
هذا هو صومنا الحقيقيّ وصلاتنا الحارَّة وشركتنا في المسيح الحاضر أبدًا معنا وفيما بيننا …
ألا منحنا الله جميعًا أن نتوب إليه ليتوب إلينا في فصح متجدِّد فينا أبدًا …
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما