نشرة كنيستي- الأحد (4) بعد العنصرة- العدد 27
الأحد 05 تمّوز 2020
كلمة الرَّاعي
المسيحيّ في أزمنة الضّيق
”بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ
يُنْشِــئُ صَـبْــرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً،
وَالـــرَّجَـــــاءُ لاَ يُخْــزِي…“ (رومية 5: 3—5)
نعيش، اليوم، في بلادنا زمنًا صعبًا جدًّا على الصَّعيدَيْن الاقتصاديّ والصّحّي. هي أزمة عالميَّة. ليست هذه المرَّة الأولى الّتي نتعرّض فيها لمثل هذه الضّيقات. هذا زمان الأزمات المفتَعَلة من زبانية إبليس واتباعه المتردِّين، في أحيان عديدة، أثواب الإيمان أو الحضارة أو الإنسانيّة… الشّيطان واتباعه يمكنهم أن يلبسوا من الخارج أقنعة النّور الزّائف والتّقوى الكاذبة والتّطوّر المُفسد العقل وكرامة الحقارة في حرّيّة عبوديّة الأجساد…
هذا كلّه شرّ مستشر في هذا الزّمن بإسم حقوق الإنسان، هذا الإنسان الّذي مُسِخَت إنسانيّته بفلسفات السّقوط الوجوديّة الدَّهريَّة… العالم تزداد فيه الظّلمة لأنّ البشر يستسهلون الاستسلام لأسياد العالم وخداعهم، هؤلاء الّذين يقودون البشريّة إلى دمارها باستعبادها لما ليس من طبيعتها الجوهريّة الّتي من صورة الله فيها…
* * *
هل نحن، اليوم، كمؤمنين مستعدّون لمواجهة الحرب الرّوحيّة الّتي يشنّها إبليس علينا تحت ستار الحرّيّة الفرديّة والرّفاه؟!… ”لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا“ (1يوحنا 5: 4). الإيمان ليس تصوُّرًا عقليًّا بل حقيقة فاعلة لأنّ الله حيّ. لكن، متى يعمل الله في حياتنا؟!… حين نسلك بالإيمان أي بالثّقة به والاتّكال عليه، بكلام آخَر حين نطيع كلمته الإلهيّة وليس كلمتنا أو كلمة أيّ كائن آخَر.
نعم! الرَّبّ هو سيِّد التّاريخ وهو الغالب. نحن، إذا كنّا له، به وفيه نغلب بالحبّ كلّ العالم. الحبّ شركة ووحدة، الحبّ عناية وانتباه، الحبّ مسامحة ومغفرة، الحبّ استقامة حياة وسلوك في الحقّ، الحبّ نبذ للتّفرقة والخصام، الحبّ انفتاح وإيجابيّة وتعاون، الحبّ حوار وطلب للرّضى الإلهيّ في الآخَر، الحبّ هروب من روح الدّينونة والاستكبار، الحبّ هو موت الأنا وقيامة الأنت فينا بالمسيح…
* * *
الكنيسة المقدَّسة حاضرة وفاعلة في خدمة المحبّة بالصّلاة والبذل والعطاء على كلّ الصُّعد على الدّوام، وبشكل أكثر كثافة في أزمنة الضّيق، هي مع شعبها وله وبالأحرى هي في شعبها وشعبها هو هي لأنّ للكلّ راعٍ واحد هو الرَّبّ يسوع المسيح رئيس الكهنة العظيم…
لا تبخل الكنيسة-المؤسسة على أبنائها، إذ كلّ ما هو لها هو لأجلهم، والكنيسة-الشّعب هي أيضًا تحيا في مشاركة الخيرات لكي يكون في كلّ حين لكلّ من يقصد أبواب بيت الرَّبّ كفاية بالمحبّة والعناية والعطاء وسدّ الحاجات وتعزية أبناء الإيمان.
”وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ“ (متى 6: 3). هكذا تعمل الكنيسة أعمال المحبّة في الخفية حفاظًا على كرامة المسيح في أبنائه، هي لا تضجّ وتصرخ على السّطوح ليرى النّاس أعمالها، لأنّ الله يرى كلّ شيء وهو يجازي المُعطي الكريم علانية إذا ما رام مجد الله وأخفى برَّه عن عيون النّاس.
* * *
أيُّها الأحبّاء، إِنْ ”عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ“ (رومية 14: 8). المؤمن لا يخاف الموت إذ هو يعرف صدق الّذي دعاه إلى حياة أفضل (يوحنّا 10: 10). من دعانا إلى طلب برِّه أوَّلًا هو أمين أن يهبنا كلّ ما نحتاجه لحياتنا، إن اتّكلنا عليه. المسؤوليّة مشتركة بيننا وبين الله، لأنّه فاعِل في محبّيه وطالبيه. الله بالإنسان يعضد الإنسان رغم أنّه فاعل وحاضر ومشدِّد بشكل مباشر للمؤمن. كلّ من يعزّيه الرَّبّ يطلب إليه أن يكون تعزية للآخَرين الّذين يضعهم في طريقه. بشركة الإيمان يعمل اللهُ في الإنسان والإنسانُ يعمل عملَ الله مع الإنسان. تتجلَّى الكنيسة بأحلى حللها في أزمنة الضّيق لأنّ محبة الله تصير ظاهرة وجليَّة من خلال أعمال المحبّة الّتي تُجسِّدها الكنيسة-جسد المسيح من الرّعاة نحو الأبناء ومن الأبناء نحو الرّعاة لكيما نعيش في سرّ حركة الحبّ الإلهيّ الدّائريّة من الله نحو الإنسان ومن الإنسان نحو الله في الإنسان بنعمة الرّوح القدس الفاعل في أتباع ”الكلمة“…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما