Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (3) بعد الفصح (المخلَّع)- العدد 19

الأحد 10 أيَّار 2020

كلمة الرَّاعي

الكنيسة ليست طائفة

الكنيسة دومًا إلى جانب أبنائها وهي تتعهَّد البيئة والوطن الّذي تنوجد فيه. المسيحيُّون، منذ البدء، كانوا شهودًا للمحبَّة، كما هو معلوم وكما نقرأ في الرّسالة إلى ذيوغنيتوس (القرن 2 م.)، والّتي تكشف أنّ المسيحيّين “يحيون حياة غريبة ومدهشة بالفعل. يقطنون أوطانهم، فتحسّ أنّهم ضيوف مؤقّتون أو سكّان راحلون. وقد يشاركون مواطنيهم في كلّ شيء، إلّا أنّهم يعتبرون أنفسهم غرباء. البلد الغريب موطنهم، وموطنهم كالبلد الغريب… يحملون الجسد ولا يَحْيَون حسب الجسد. يجتازون حياتهم على الأرض ولكنّهم من سكّان السّماء (…) المسيحيّون للعالم كالنّفس للجسد. فكما أنَّ النّفس منضبطة بالجسد ولكنّها تحفظه، فكذلك المسيحيّون المنضبطون في العالم، فإنّهم يحفظونه”. غايتنا الإيمانيّة “حياة أفضل” (يوحنّا 10: 10) في عالم أفضل على الصّعيد الإنسانيّ كما عرفنا الإنسان في الرَّبّ يسوع المسيح.

*             *             *

مسؤوليّتنا الإيمانيّة والإنسانيّة والوطنيّة هي مساندة الأبرار في إتمام واجباتهم بحسب الأصول والضّمير والعدالة، هذا هو الهدف الّذي نعمل لأجله. من هنا، الكنيسة الأرثوذكسيّة تتعاطى الشّأن العام شهادةً للحقّ حيثما وُجِد وتمجّ الباطل حيثما حلّ. الكنيسة تحبّ الإنسان وترفض خطاياه وضعفاته، وهي، مع انصاف كلّ من يسلك في استقامة الحياة والخدمة وتحمّل المسؤوليَّة لصالح المجتمع وبناء دولة القانون والمؤسّسات، وهي تدعو لمشاركة الخيرات بتمييز لخير جميع أبناء الوطن …

“اِقْضُوا لِلذَّلِيلِ وَلِلْيَتِيمِ. أَنْصِفُوا الْمِسْكِينَ وَالْبَائِسَ” (سفر المزامير 82: 3)، هذا هو دور الكنيسة في العالم، وهذه هي الشّهادة الّتي يسعى ليعيشها المؤمنون في أيّة مسؤوليّة كانوا، أفي السّلطة أم خارج السّلطة، أفي موقع رسميّ أم في مواطنيّتهم. عمل الكنيسة خدمة ارتقاء الإنسان إلى عيش أفضل لحقيقته الكيانيّة، أي لكونه عابرًا في هذا العالم إلى الحياة الحقّانيّة الّتي نراها في المحبّة الإلهيّة الّتي تخدم ولا تتسلّط، تسندُ الفقير والمعذّب وكلّ قضيّة حقّ وتطالب بحقوق المنسيِّين والمهمَّشين والمتروكين … هي تطلب وجه ربّها في الجائع والعطشان والعريان والمريض والمسجون والغريب … وهي تثمّن حرّيّة الرّأي والتّعبير والنّضال السّياسي والاجتماعيّ لكلّ إنسان من أجل بنيان وطن أفضل يحترم إنسانيّة أبنائه ويحافظ على حقوقهم جميعًا …

*             *             *

الكنيسة ليست طائفة إذ لا تحكمها الرّوح الانطوائيّة، بل هي منفتحة على العالم كلّه في انسجام مع ذاتها وعقائدها، في احترام كلّيّ لحقّ الاختلاف في الرّأي والنَّظرة ضمن أطر القانون والمؤسّسات. الصّوت يُرفَع للحفاظ على ساحات التّفاعل والتّواصل والخدمة، الّتي نريد لها أن تتّسِع في تفاعل إيجابيّ وديناميكيّة حضاريّة في روح الحفاظ على القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة المُنبثقة من الإيمان بالله وعيشه لتجديد وجه بلادنا في الجمال والانسجام بين أبنائه. الكنيسة تدعو لحمل هموم النّاس، وأبناؤها منهم، وهي تشاركهم أوجاعهم ومخاوفهم وهواجسهم وانتظاراتهم من دولة ابتعدت، لزمن طويل، عن الاهتمام بشعبها والعمل على بنيان الإنسان والمجتمع في أرضها …

الكنيسة ترفع صوت المغبون والمظلوم، أكان من أبنائها أم من أبناء الوطن المختلفين. الظّلم مكرهة والاستكبار رجاسة، والكنيسة هي ابنة التّواضع والوداعة والعدالة الّتي في البِرّ والتّقوى. نحن نحترم القوانين ونعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله، بعكس ما يُشاع ويستثمر به. لا نؤمن بالوجه الّذي يلغي الوجوه. فلا سلطة لدينا تعلو على سلطة المحبّة ولا يتعزّز حضورنا إلّا بالشّهادة للحقّ. لذلك، تتمسَّك الكنيسة بلبنان مجتَمَعًا مبنيًّا على الحرّيّة المسؤولة والانفتاح بما يضمن للمواطن حقوقه وحرّيّاته الأساسيّة بالإضافة إلى المساواة والتّكافؤ بالفرص بين أبناء الوطن والعدالة السّياسيّة والمجتمعيّة، كلّ ذلك في إطار مسيرة لتعميق المواطن في إنسانيّته وانتمائه الوطنيّ …

*             *             *

يقلقنا تنامي الخطاب الطّائفيّ بسبب عدم التّوازن في الخيارات المتّخذة من السّلطات والّتي تنشئ مخاوف عند أطياف مختلفة من النسيج اللّبنانيّ المميَّز. لذلك، كنّا وسنبقى متمسّكين بخيار الدّولة المدنيّة الّتي يتساوى الجميع فيها في الحقوق والواجبات والفرص. هذا ما يحتاج حوارًا جدّيًّا وعميقًا بين كلّ أطياف المجتمع اللّبنانيّ لوضع خطّة تحاكي الواقع والحاجات والتّطلّعات لشعب هذا البلد.

ليست استقامة الرّأي “الأرثوذكسيّة” طائفة بل هي إيمان ثابت نسعى لعيشه في علاقتنا بالله وفي علاقتنا مع الآخَر. نحن، بناء على هذا الإيمان “نحيا ونتحرَّك ونوجد” (أعمال الرّسل 17: 28) لمصلحة الوطن الّذي نَنشد أن يكون في الحقّ. نحن نعمل ونصلّي لأجل كلّ العالم. نشتغل لازدهار البلد ونجاح الحكّام والسّلام الّذي من العلى، ونسعى أن يكون نهجنا الاستقامة. لذلك، نحن مؤمنون بالأبواب المفتوحة وبهذا اللبنان الّذي نريده رسالة حبّ وتجلٍّ للإنسانيّة الحقّانيّة في فسحة العيش في الشّركة والحوار والتّفاعل البنَّاء في عالم يفتقد إلى ذلك.

صرختنا هي لأجل خدمة أسمى لهذا البلد وأبنائه لرفع كلّ ظلم عن كلّ مواطن ومسؤول وجماعة لنبني وطنًا يكون منارةً وواحة رجاء بإنسانيّة أفضل …

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة