نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد الفصح (الأعمى)- العدد 21
الأحد 24 أيَّار 2020
كلمة الرَّاعي
الظّلمة والبصر البصيرة والنّور
“اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟” (مزمور 27: 1)
الإنسان المؤمن يحبّ النّور ويمجّ الظّلمة. هو لا يستطيع أن يسكن خارج النّور، لا بل هو لا يستطيع أن يحيا ما لم يكن النّور فيه، لأنّ الله نور لا يُدنى منه ومع ذلك هو نور الحياة وبدونه لا يستطيع الإنسان أن يبصر شيئًا في العالم، لأنّ الحياة ليست سوى الله ذاته… هكذا كشف لنا يسوع الله، لأنّه هو “نور العالم” (يوحنا 8: 12)، لكنّ النّاس يحبّون الظّلمة أكثر من النّور لأنّ أعمالهم شرّيرة (راجع يوحنا 3: 19).
هكذا رفض الفرّيسيّون عمل يسوع الإلهيّ إذ شفى الأعمى منذ مولده ناسبين عمله إلى “ضدّ الله” لأنّه خالف شريعة السّبت!… هل يُعقل أن يصل التّحجُّر في العقول إلى هذه الدّرجة والعمى الرّوحيّ إلى هذه الدّركات من الظّلمة؟!… ما هي هذه الطّبيعة الّتي ترفض عمل الله الجليّ بسبب غنى الرّحمة الظّاهرة فيه؟ كيف يستطيع الإنسان أن يُغلق قلبه إلى هذه الدّرجة من القسوة؟!…
* * *
“كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ؟” (يوحنا 9: 16). الدّينونة المتأتّية من الحسد صنعت هذا الرّأي. السّؤال يحوي الجواب، أي أنّ هذا العمل لا يمكن أن يكون عمل إنسان خاطىء، لأنّ ما صُنِع هو عمل الله. لم يتجرّأ الفرّيسيّون أن يمتدّوا في تفكيرهم إلى هذا الحدّ، لأنّهم لا يستطيعون أن يقبلوا بأنّ ابن النّجار يصنع أعمالًا بقوّة الله تفوق ما صنعه أنبياء العهد القديم. من هو هذا السّائح على دروب اليهوديّة جائلًا ومبشِّرًا بملكوت الله بقوّة الكلمة وفعلها كما يُخبِر إشعياء النّبيّ: “كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ” (إشعياء 55: 11).
الأعمى منذ مولده، خلق له الرَّبّ عينين من الطّين، لكنّه كان يملك عينَين للقلب مبصرتَين. الرَّبُّ رآه أوَّلًا، لأنّه كان ناظرًا إيّاه منذ الحبل به، لا بل قبل أن يُخلَق… هو أتى إليه ليكشف الحقيقة والحقّ، لقد جاء ليُتمِّم ما قاله الرَّبّ في إشعياء النّبيّ: “اذْهَبْ وَقُلْ لِهذَا الشَّعْبِ: اسْمَعُوا سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُوا، وَأَبْصِرُوا إِبْصَارًا وَلاَ تَعْرِفُوا. غَلِّظْ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ وَثَقِّلْ أُذُنَيْهِ وَاطْمُسْ عَيْنَيْهِ، لِئَلاَّ يُبْصِرَ بِعَيْنَيْهِ وَيَسْمَعَ بِأُذُنَيْهِ وَيَفْهَمَ بِقَلْبِهِ، وَيَرْجعَ فَيُشْفَى…” (إش 6: 9 – 10). في مجمع محاكمة يسوع من قبل الفرّيسيّين، كان الأعمى هو المبصر والمستنير والباقون عميانًا مظلمين…
* * *
أيّها الأحبّاء، حيث نور الوصيّة فهناك الرّحمة وحيث الرّحمة فهناك النّور الإلهيّ. هذا ما نفهمه من مثل السّامريّ الشّفوق (لوقا 10: 25 – 37) ومن إنجيل الدّينونة (متّى 25: 31 – 46). الرَّبُّ أتى إلينا ليكون نور حياتنا، لأنّ بغيره لا يوجد نور إذ ما عداه ظلمة حالكة وإن تغطّت بأنوار كاذبة، فثمار نور المسيح جُرأة في الشّهادة للحقّ وفرح في الضّيق وسلام في الحرب وبصيرة إلهيّة تميّز ما هو من الله ممّا هو من الشّرّير… مع محبّة للإنسان لا تُقيَّد من بشر لأنّها قوّة الله الفاعلة في الإنسان المتقبِّل لنور إعلان ربّنا يسوع المسيح: “قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ…” (مرقس 1: 15)
“إِنَّ اللهَ سَيُعِيدُ إِسْرَائِيلَ بِسُرُورٍ فِي نُورِ مَجْدِهِ بِرَحْمَةٍ وَعَدْلٍ مِنْ عِنْدِهِ” (باروخ 5: 9)، هذا تجلّى في يسوع الّذي كشف أنّ الأعمى هو “إسرائيل الله”(غلاطية 6: 16)، الحُرّ بالمحبّة الإلهيّة والرّاجع من سبي دينونة “إسرائيل القديم” الّذي بقي قابعًا في عبوديّة الحرف مطفئًا الرّوح في كلمة الله المُعطاة له، لتصير هذه الكلمة للحكم عليه وليس للخلاص…
الرَّبُّ يأتي إلى كلّ واحد منّا مريدًا أن يخلق لنا حواسًا روحيّة. لا داعي لنطلب هذا بل كلّ ما علينا فعله هو أن نتقبّل عطيّة الله. هكذا صنع الله للأعمى لأنّه عرف استعدادات قلبه. الأعمى لم يطلب شيئًا. يسوع أتى إليه وحرّره من ظلمة العالم الخارجي لأنّه كان بالإيمان الدّاخليّ حرًّا من ظُلمة الكيان منتظرًا بأنين الرّوح فيه استعلان نور الرَّبّ له…
استعدادنا هو إدراكنا لعمانا وطلبنا للنّور في رجاء الإيمان بالتّوبة عن كلّ تعلّق بأنوار هذا العالم الكاذبة أي كبرياء المال والمعرفة والجمال وتسلّط حبّ الظّهور والمديح وقنية البشر وعبوديّة اللّذّة …
ومن له اذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما