Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (4) من الصَّوم (البارّ يوحنَّا السُّلَّميّ)- العدد 13

الأحد 29 آذار 2020

كلمة الرَّاعي

الزُّهد في العالم

“لا نرذلنَّ أو نذمَّنَّ الزُّهدَ النَّاجمَ عن ظروفٍ عارضة …”

(كتاب: “السلم إلى الله”، فصل “في الغربة”، المقطع 18)

الله ربّ الجميع هو ولو لم يعلم الكلّ ذلك، لأنّه هو الّذي أوجدنا من العدم … هل مَنْ خَلَقَ الإنسانَ بَرَأَهُ للفساد والبِلى؟! … حاشا!… لأنّ كلّ ما يصنعه الله هو “حسن”، والإنسان هو “حسن جدًّا”ن وقد جعله الله رمز كمال الخليقة ورأسها لأنّه على صورته … أي هو وُجِد ليبقى ويتجلّى فيه وجه الله …

الإنسان لا يستطيع إلّا أن يعيش بالمعيَّة، أي مع الآخَر. لا يكون الإنسان شخصًا ما لم يعش لأجل الآخَر. مع ذلك، يحتاج الإنسان إلى أن لا يكون متعلِّقًا بالآخَر وكأن الآخَر هو مصدر حياته. المسألة هنا تنبع من الحبّ النّقيّ الَّذي لا يطلب لذاته شيئًا بل يعطي ذاته بالكلّيّة ليربح الآخَر بالكلّيّة بكامل حرّيّته، لأنّ الحبّ الحقيقيّ، أي الإلهيّ، هو مصدر الحرّيّة، وهذا هو الزّهد في جوهره إنّه التّخلِّي على كلّ شي من أجل المحبوب، وهذا ما كشفه لنا الله بتجسُّد ابنه حبًّا بالبشر إذ “أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ” (فيليبي 2: 7). ترك ابن الله مجده، حجبه في إنسانيّته ليشاركنا في “تعتيرنا” لكيما يهبنا مجده وخلاصه وحياته الأبديّة مجّانًا …

*             *             *

اليوم، نحن مُجبَرين أن نمكث في بيوتنا قسرًا، لكن هذه فرصة حقيقيّة للزُّهد أي لتعلُّم المحبّة الإلهيّة. هي خبرة نتعلّم من خلالها أنّ الحياة هباء و”قَبْضُ الرّيح” (جامعة 1: 14) إذا كنّا نحيا لأجل هذا العالم فقط. ما قوّة الإنسان وما جبروته؟! … أين جماله وجلاله؟! … أين علمه وتطوّره؟! … إنّه أضعف من أصغر الڤيروسات. دول وعلماء وجيوش وأطبّاء وممرّضين ومستشفيات إلخ … لا يستطيعون ضبط وقمع وحَدّ ڤيروس يهدّد البشريّة. هذا يكشف هشاشة الإنسانوهذا دافع لنا، نحن البشر، لنتَّضع ولنعود إلى الله ولندرك أنّ الكلّ إلى زوال … يبقى فقط وجه ربّك الَّذي ستعاينه والَّذي إليه مآل الجميع …

*             *             *

أيّها الأحبّاء، لنجعل زمن عزلتنا الإجباريّة زمن زهدٍ طوعيّ، فلنتغرَّب قليلًا عن عاداتنا اليوميّة لننشئَ عادات جديدة يكون الله محورًا لها ومن خلاله كلّ آخَر. لنتعلّم أن نبدأ يومنا،كعائلة، في نضارة الصّلاة الصباحيّة لأجل خير العالم واعتدال الأهوية وإبعاد الأوبئة وليكون نهارنا كلّه كاملًا مقدَّسًا سلاميًّا وبلا خطيئة ولنتغذّىبطعام الكلمة الإلهيّة. وفي تعب نصف النّهار، فلنقرأ في المزامير ولنشكر الرّبّ على عطاياه الّتي يغدقها علينا ولنفكِّر بالمُحتاج والمَتروك لنصنع لهم محبَّةً. وعند هدوء الطّبيعة فيالغروب، لنمجّد الرّبّ نور حياتنا وشمسنا العقليّة ومَشْرِق المشارق. وعند العشيّة،في سكون اللّيل، فلنُصَلِّتائبين وراكعين وفاحصين ضمائرنا ومسلمين ذواتنا وبعضنا بعضًا وكلّ العالم للمسيح الإله، الّذي بذل نفسه عنّا ومات لأجلنا ومنحنا الغلبة على الموت والخطيئة مُدخلًا إيّانا في جدَّة الحياة الأبديّة. لتكن هذه مسيرتنا الجديدة في خلوتنا وليكن هذا جهاد زهدنا الإراديّ حتّى نربح هذا الزّمن ونخرج منه بالبركات والنِّعَم المتنزّلة علينا من فوق من عند أبي الأنوار …

“لِأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ: ′بِالرُّجُوعِ وَالسُّكُونِ تَخْلُصُونَ. بِالْهُدُوءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ تَكُونُ قُوَّتُكُمْ” (إشعياء 30: 15).

ومن استطاع أن يقبل فليقبل …

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة