Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (2) من الصَّوم (القدِّيس غريغوريوس بالاماس)- العدد 11

الأحد 15 آذار 2020

كلمة الرَّاعي  

التّألّه بالنّعمة

”لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ،

وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ“ (افسس 2: 8)

تعليم الكنيسة حول الخلاص بالنِّعمة يعني أنَّ الرَّبّ يمنحنا الحياة الأبديّة هبة مجّانيّة منه. لكن، هذا لا يعني بأنّ مجرَّد إيماننا أو إعلاننا بأننا نؤمن به نحصل على الخلاص بدون أي جهاد أو تجارب أو عمل …

مطلوب منّا أن نعمل ”أعمال الله“ (يوحنا 6: 28)

أي أن نؤمن ”بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ“ (يو 6: 29)، وهذا يعني أن نحفظ وصاياه ليسكن فينا الثّالوث القدّوس بالنِّعمة: ”إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا“ (يو 14: 23)، لأنّنا بدون المسيح السّاكن فينا والفاعل بنعمة الرّوح القدس المنسكبة علينا من الآب بالابن في الروح القدس لا نستطيع أن نعمل شيئًا (يو 15: 5)…

*          *          *

”لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ“ (رومية 3: 10). البشريّة كلّها في السّقوط. الكلّ مخلَّص في المسيح. لكن، لاقتبال الخلاص الّذي بالمسيح لا بدّ من انفتاح القلب، وهذا لا يصير بدون تنقيَة، والتّنقية لا تتحقَّق بدون التّوبة، والتّوبة غير ممكنة بدون نعمة الله … عمل النِّعمة مرتبط بالإرادة الحُرَّة للإنسان، رغم سكنى هذه النِّعمة في المعمَّدين … من يريد أن يتبع المسيح عليه أن يعمل عمل المسيح أي أن يطيع الله ”حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ“ (فيليبي 2: 8). تُفَعَّلُ النّعمة الإلهيّة الموجودة في القلب باقتبال الصّليب حبًّا بالمسيح  وشهادةً له. حينها، وفقط حينها، يصير الله هو العامل في الإنسان مشيئته وتصير مشيئة الإنسان هي نفسها مشيئة الله … ساعتئذ يصلّي الإنسان ويصوم ليتقدَّس لأنّه لم يعد يطلب مشيئته بل مشيئة الله وإرادته الّتي هي قداسة الإنسان (1 تسالونيكي 4: 3).

من يؤمن بالمسيح يقبل بسلوك الطّريق الكَرِب والباب الضّيّق المؤدّي إلى الحياة (راجع متّى 7: 13). وهذا هو الجهاد الرّوحي أي الحرب ضدّ الأنا المقيتة الّتي هي سبب ظُلمة القلب وقساوته وتحجّره … لا يستطيع الإنسان أن يقتتني النِّعمة الإلهيّة بدون العبور في الموت عن إنسانه العتيق.

*          *          *

بتجسُّد ابن الله من الرّوح القدس ومن مريم العذراء وتأنّسه اتّحدت طبيعة البشر مع الطّبيعة الإلهيّة في أقنوم الكلمة ”الابن الوحيد“. سكنت الألوهة في الطّبيعة البشريّة واشتركت طبيعة البشر، في أقنوم المسيح، بخصائص الطّبيعة الإلهيّة بدون أن تذوب وتضمحلّ وبدون أن تكون منفصلة مستقلّة وبدون أن تصير مركّبة متقسّمة. كلّ ما هو للإله صار للبشر في المسيح يسوع ابن الله المتجسِّد. عبر اتّحاد الإنسان بالمسيح يسكن الرّوح القدس فيه ويقتني صفات الله، وتتحوّل طاقاته الطّبيعيّة عبر الاتّحاد مع النّعمة الإلهيّة إلى  فضائل أي تَشَبُّه بما لله … هذه هي غاية التّجسُّد أن يصير الإنسان إلهًا بالنّعمة، أي أن يصير نورًا من ”النّور الّذي لا يعروه مساء“ … أي أن يدخل في سرّ جبل ثابور ومُعاينة الله كما هو لأنّ ”للهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ“ (1 يوحنا 1: 5).

معرفة الله في النّور هي تخطّي لمفهوم الإدراك البشريّ بالعقل أو التّعلّم عن هذا الأمر، إنّها خبرة صمت العقل وإظلام المعرفة البشريّة العقليّة لله أي دخول الإنسان في سرّ اللّاإدراك وخبرة الدَّهَشَ بمُعاينة الله النّور في نور النِّعمة الإلهيّة الّتي أمامها كلّ معرفة هي ظلمة …

*          *          *

أيّها الأحبّاء، كلّ إنسان مؤمن مدعوّ إلى ارتقاء جبل سيناء وجبل ثابور العقليَّين، وهذه هي الحياة الرّوحيّة وهذا هدف الجهاد الرّوحيّ، ولكن ”معرفة الله هي جبل شديد الانحدار وصعب التّسلّق، أغلبيّة النّاس بالكاد يصِلون سفحه“ (القدّيس غريغوريوس النّيصصي). لا أقول هذا لأضع حدًّا لحماس المؤمن بل لكشف سرّ العطيّة الّتي لا يمكن وصفها، الّتي هي أن نعرف الله وجهًا لوجه في سرّ نوره الإلهيّ غير المخلوق الّذي به يُشركنا في حياته السّرمديّة.

الأساس، أنّ على المؤمن أن يجاهد ليتسلّق جبل الله عبر طاعة الوصيّة والتّسليم مُصغيًا لصوت الله الّذي يقوده في معارج الارتقاء الروحيّ في الظّلمة المُنيرة والحزن المُفرح، عنيت بهما التّوبة.

ألا وهبنا الرّبّ أن نثبت في حفظ وصيّته لأنّه يريدنا له مسكنًا … يشعّ منه نوره الإلهيّ …

فهل نحن على استعداد لخوض مغامرة الحياة الأبديّة في جهاد الصّلاة والصّوم بالتّوبة؟! …

ومن له أذنان للسّمع فليسمع! …

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة