نشرة كنيستي- الأحد (15) بعد العنصرة- العدد 40
03 تشرين الأوَّل 2021
كلمة الرَّاعي
محبّة الأعداء
“أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ” (لو 6: 35)
يقول الفيلسوف والكاتب الإيطاليّ أُومبرتو إيكو”Umberto Eco“ (ولد في كانون الثاني 1932—توفي في شباط 2016) في دراسة له بعنوان “اختراع العدوّ”، “إنّ وجود العدوّ مهمّ ليس لتحديد هويّتنا فحسب؛ وإنّما -أيضًا- ليوفّر لنا عائقًا نَقِيسُ إزاءَه قِيَمَنَا، ونُثْبِتُ -أثناء محاولتنا تخطّيه- قيمَتَنَا”.
هكذا عاشت الشّعوب والبشر منذ بدء التّاريخ. لهذا قتل قايين هابيل، لأنّه حين رضي الله عن ذبيحة هابيل شعر نفسه غير موجود بإزاء أخيه فأراد أن يلغي وجودَه لكي يبقى هو وحده موجودًا أمام الله.
ليس من تنافس إيجابيّ بين البشر إلّا من خلال الإيمان، لأنّ المنافسة الحقيقيّة مبنيّة على المحبَّة للآخَر، وبهذا المعنى تصير المنافسة اقتداء بالتّسامي بين البشر، فيصير الواحد للآخَر مرقاةً بالتّناوب، وهكذا يكون الارتقاء مُعمَّمًا.
أمّا حين لا تنوجد المحبَّة، يصير البشر أعداء، وحياتهم المشتركة تصير تزاحُمًا على الانوجاد، وانوجاد الواحد يعني إقصاء الآخَر. بالحقيقة، لا يوجد موقف ثالث بين المحبّة والعداوة. أنتَ إمَّا تُحبّ الآخَر أو تستعديه!… وما عدا ذلك ليس سوى كذب وتمثيل…
* * *
لا يستطيع الإنسان من ذاته أن يحبّ، هذه هي خبرة القدّيس سلوان الآثوسيّ الَّذي يُصرِّح: ”لم يكن ممكنًا لي أن أتحدّث عن هذه المحبَّة لو لم يعلّمني إيّاها الرّوح القدس“. المحبَّة، إذًا، تُقتَنى بالتّعلُّم أي بمشيئة الإنسان وبفعل النّعمة الإلهيَّة. هذا لا يعني أنّ المحبَّة ليست من طبيعة الإنسان، بل لأنّ المحبَّة كباقي الطّاقات الَّتي يتمتّع بها الإنسان يجب تنميتها وصقلها واستثمارها. فكما أنَّ مَلَكَةَ الكلام موجودة عند الإنسان ولكن يجب تعليمه الكلام، كذلك المحبَّة كامنة في صورة الله الّتي في الإنسان ومعلِّمها هو الرَّبّ في ابنه بروحه القدّوس، لأنّ الله هو المحبَّة. لا يستطيع بشر أن يُعَلِّمَ المحبّةَ الإلهيّةَ ما لم يكن نقيَّ القلب. ما عدا ذلك، محبّته مشوّشة ومختَلِطَة مع شهوته بالتّملُّك للحصول على اللَّذّة والطّمأنينة على المستوى العاطفيّ والنّفسيّ.
الإنسان الدَّهريّ (séculaire) حين لا يستطيع أن يحصل على الطّمأنينة واللَّذة من الآخَر يجعله عدوًّا له. البشر إمّا أن يتماهَوا وإمّا أن يتصادموا. لماذا؟ لأنّه خارج المحبَّة الإلهيَّة لا يوجد آخَر. لا يمكن للإنسان أن يعترف بالآخَر كشخص مستقلّ وموجود بإزائه إلّا حين يحيا بالمحبَّة الّتي أحبّنا بها المسيح. لا وحدة بين النّاس إلّا في المسيح، أي انطلاقًا من سرّ الإنسان صورة الثّالوث القدّوس. من هنا، البشر أعداء لبعضهم البعض إلى أن يتعلّموا أنّه ”لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ“ (يو 15: 13).
* * *
في المسيحيّة، قيمة الإنسان تأتي من كونه صورة الله، ولكن تحقيق هذه الصّورة أي أن نصير مثل الله هو ما يحدِّد هويّته الأبديّة كابن الله ووارث له.
نحن لا نطلب، كمؤمنين، استمراريَّة أبديَّة لهذا العالم، إذ ”الْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ“ (1 يو 2: 17). المؤمن يطلب الله، أوَّلًا، وقبل وفوق كلّ شيء أو أحد، لأنّ من له المسيح فله كلّ شيء وهو قد دخل سرّ شركة الحبّ الإلهيّ مع الله ومع النّاس. يدخل الإنسان في سرّ الشّركة الإلهيّة بالإيمان وطاعة الكلمة وبنعمة الرّوح القدس. من يتواضع يتعلّم الصّلاة، والرّبّ يعطيه أن يطلب بالصّلاة محبّة الأعداء، كما يكشف لنا القدّيس سلوان الآثوسيّ حين يعلّمنا كيف نصلّي لنطلب هذه النّعمة: ”أيّها السّيّد، علّمني بروحك القدُّوس أن أحبّ أعدائي وأصلّي من أجلهم بدموع… يا ربّ، كما صلّيت من أجل أعدائك، هكذا علّمني أيضًا، بالرّوح القدس أن أحبّ أعدائي“. لا يصل الإنسان إلى هذه القناعة بجوهريّة وصيّة محبَّة الأعداء إلّا حين يكتشف أنّه يستعدي الله حين لا يطلب منه نعمة محبّة الأعداء، لأنّه لا شركة بين النّور والظّلمة وبين المحبَّة والحقد…
* * *
أيُّها الأحبَّاء، نحن نبقى في العداوة ما لم نمت عن منطق العالم الَّذي فينا بوعي أو بلاوعي عن إدراك أو بغير إدراك. الكلمة الإلهيَّة واضحة وقاطعة: ”أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا للهِ“ (يع 4: 4). لا يوجد حلول وسطيّة تُرضي نزعات الإنسان المختلفة، لكلّ شيء ثمن، للمحبّة ثمن وللعداوة ثمن. للمحبَّة ثمار وللعداوة ثمار. للمحبَّة قوّة إلهيّة وللعداوة قوّة بشريّة، لكنّ البشريّ زائل أمّا الإلهيّ فسَرْمَديّ.
الطّريق إلى السّلام والرّاحة هو المحبّة والتّواضع. على الإنسان أن يجاهد. ”في البداية أَجْبِرُوا قلبَكم على محبّة أعدائكم“، يُوصي القدّيس سلوان، ويحثّنا قائلًا: ”أرجوكم أن تجرّبوا“، ويطمئننا للنّتيجة إذ يقول: ”إذ يرى الرَّبُّ نيّتك الحسنة يساعدك في كلّ شيء“.
المسألة بسيطة، لأنّ الله بسيط ووصيّته بسيطة، فمن هو الإنسان الَّذي يريد أن يحيا في بساطة المحبّة الإلهيّة ليقتني كمالها في محبّة الأعداء؟!…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما