Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد العنصرة- العدد 31

01 آب 2021          

كلمة الرّاعي 

تَجَلِّينا في الحبّ

يأتينا صوم رقاد والدة الإله وعيد التّجلّي في زمن نعيش في أزمات صعبة جدًّا في هذا البلد. لكن، لا تُلغي الضّيقات احتفالاتنا الرّوحيّة لأنّ لنا بها رجاء خلاص وخبرة فرح تأتينا من فوق من ”عند أبي الأنوار“ (يعقوب 1: 17). الإنسان المؤمن هو ابن الرّجاء ومولود قيامة المسيح، إنّه ”خليقة جديدة“ (2 كورنثوس 5: 7) إذ لبس المسيح واقتنى روحه القدّوس وصار عشير القدّيسين والملائكة في الكنيسة جسد الرَّبّ الَّتي تتجلَّى ملكوتًا لله في كلّ إفخارستيَّا.

المؤمن يحيا في العالم، ولكنّه يأتي من الملكوت من يوم معموديّته. مشكلة معظمنا أنّه إن لم يتربّى على عِشرة الكلمة الإلهيّة يبقى جاهلًا لحقيقته السّرّيّة الّتي وُهِبَت له حين أُتْحِد بالمسيح في المعموديّة، أي حقيقته الجديدة كونه صار إنسانًا متألِّهًا بالنّعمة إذ سكنت فيه قوى الثّالوث القدُّوس…

*          *          *

حياة الإنسان المؤمن جهاد مستمرّ للتّنقية بالصّلاة والصّوم والخدمة. هذه ركائز الحياة الرّوحيّة الَّتي بدونها لا تستقيم مسيرة الإنسان في سعيه للقداسة. نعم، كلّ مؤمن بيسوع المسيح مدعوّ ليكون قدِّيسًّا، ”تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ إِلهُكُمْ“ (لاويين 19: 2). الله اختارنا في المسيح لنكون له شعبًا مقدَّسًا، خاصًّا به لنشهد له أنّه هو القدُّوس الَّذي ليس مثله أحد وسيّد الخليقة ومُبدعها ومخلّصها.

ما الَّذي يطلبه منّا الرَّبّ وماذا أعطانا لنتمِّم مشيئته؟ طلبه منّا واحد بسيط: ”وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا“ (يوحنّا 13: 34). وماذا وهبنا الرّبّ ليكون لنا القدرة على إتمام مشيئته ووصيّته هذه؟ ”نَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ“ (1 كو 2: 12). بنعمة روحه القدّوس نمتلئ من مواهبه الّتي تجعلنا شبيهين به…

*          *          *

”يا إخوةُ، إذ لنا مواهبُ مختلفةٌ باختلافِ النِّعمةِ المُعطاةِ لنا“ (رومية 12: 6) فليعمل كلّ واحد في حقل الرّبّ وفي خدمة الإنسان للخلاص بحسب ما ميَّزه الله به واختاره ليعيش الحبّ من خلاله. كلّ إنسان لديه ما يبرع فيه أكثر من غيره، والنِّعَمُ تزيد مع الجهاد والمثابرة والعطاء. المهمّ في كلّ ما نصنع أن يكون مصدره وغايته محبّة الله ومحبّة القريب. بقدر ما نخدم في سرّ التّواري، ”وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْشِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ“ (متّى 6: 3)، بقدر ما نتطهَّر من الكبرياء والأنانيّة وحبّ الظهور، وبالتّالي نتحرَّر من ”شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ“ (1 يو 2: 16)، وهكذا يصير قلبنا نقيًّا ووجداننا طاهرًا وجسدنا مستنيرًا بنور النّعمة الإلهيَّة الَّتي تشعُّ في النَّفس والجسد معًا، كما حصل مع الرّبّ يسوع في جبل ثابور أمام أعين تلاميذه الثّلاثة بطرس ويعقوب ويوحنّا (راجع متى 17: 1—8).

*          *          *

أيُّها الأحبّاء، ”إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ“ (عبرانيين 11: 40)، فلا نضيّعنّ العمر في ما لا ينفع، بل، فلنجتهد لنسير في الطّريق المؤدّي إلى الحياة والمجد الأبديَّين اللَّذَين يريد الله أن يهبهما لنا. طريقنا إلى الحياة الجديدة هو محبّتنا الفاعلة بالخدمة لله في الآخَر، وقوّتنا لإتمام هذه الشّهادة تأتينا من نعمة الرّوح القدس الَّذي فينا بالمعموديّة والأسرار، والَّذي نقتنيه بطاعة الوصيّة الإلهيّة وبالصّلاة والصّوم. لذا، كلّ صلاة وكلّ صوم هما مناسبة لنا وفرصة لطاعة الله، أي للتّطهُّر من تلوّث القلب والفكر وتنقية الجسد، هذا من جهة، وللتّحرُّر الكيانيّ من كلّ عبوديّة لشهوة أو هوًى أو لحاجة أو لإنسان، لأنّ ”الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ“ (لوقا 10: 42).

من صار الله بالنّسبة إليه ”الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (1 كو 15: 28)، يكون قد غلب العالم أي انتصرت محبّة الله فيه وبالتّالي تحرَّر من كلّ حسد وغيرة سلبيّة وكره أو حقد على الآخَر، لا بل يصير الآخَر له الحياة في المسيح.

لنجاهد هكذا، يا أحبّة، في هذا الصّيام المُقبِل علينا اليوم، ولنَسِر في نسك القلب أي التّعفّف عن كلّ ما يجرح محبّة الله لنا وفينا نحو الآخَر، لنقتبّل نور النّعمة المُشِعّ في يسوع المسيح بتجلّيه فينا على ثابور قلوبنا، لنصير له مطرحًا يفيض منه ضياء نعمته مرشِدًا البشريّة إلى حقّ الرّبّ وساكبًا عليها فينا ومن خلالنا حنانه وتعزياته الّتي تفوق كلّ قول وتصوّر…

ومن له أذنان للسّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة