نشرة كنيستي- أحد الابن الشَّاطر – العدد 6
الأحد 08 شباط 2026
كلمة الرّاعي
التّريودي: الابن الشَّاطر
الشَّطارة بين حرِّيَّة أبناء هذا الدَّهر وحرِّيَّة أبناء الله
“ كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحٌ لِي، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يُوَافِقُ. كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحٌ لِي، وَلَكِنْ لا يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ” (1 كو 6: 12)
بدأنا الأحد الماضي في زمن التّريودي أي زمن التَّحضير للصَّوْم الكبير المقدَّس، حيث كان موضوع الإنجيل مَثَل الفَرِّيسيّ والعَشَّار الَّذي تدعونا فيه الكنيسة إلى عدم إدانة أيّ إنسان وإلى التَّوْبة. وفي هذا الأحد الثانيَّ من التّريودي يحدِّثُنا الإنجيل عن مثل الابن الشَّاطر الَّذي شَطَرَ معيشة أبيه لكي يعيش “حرِّيَّتَه”. والحرِّيَّة مسألة فيها أخذ ورَدّ، لأنّ منطق العالم الاستهلاكيّ في الحرِّيَّة شيء، وتعليم الكنيسة شيءٌ آخر. والإنسان في هذا العالم مهما ظَنَّ نفسه حُرًّا فهو مقيَّدٌ بأغلالٍ كثيرةٍ منها المعروف لديه ومنها المجهول. فما هي الحرِّيَّة يا تُرى، وهل هي حقٌّ مكتسَب وواقع معاش، أمّ هي عطيَّةٌ وإمكانيَّة تتحقَّق في السَّعي؟!…
* * *
البشر، بعامَّةٍ، يعتقدون بأنَّ حُرِّيَّتهم حَقٌّ مكتَسَب لهم، وهذا صحيح، ولكنَّهم يفهمون الحرِّيَّة على مستوى إمكانيَّة الفرد بأنْ يصنع ما يُريد ويختار ما يريد في حياته باستقلاليَّةٍ تامَّة عن كلِّ أحدٍ أو شيء أو دَيْن أو حتَّى قانون. وهذا ما نراه اليوم، مثلًا، في المفاهيم الَّتي طرأتْ بأنَّ لكلِّ إنسانٍ أراشدًا كان أم لا أن يختار الجنس الَّذي يريد أن يكون عليه، أم أن يطلب الموت أو أن تجهض الأم جنينها، بِغَضِّ النَّظَر عن موقف الأهل والمقرَّبين والأخِصَّاء والمجتمع والدِّين…، وهذا إنْ دَلَّ على شيء يدُلُّ على ماهِيَّة ما يُسَمَّى بالـ”حرِّيَّة” الشَّخصيَّة الَّتي هي عمليًّا انقطاع عن كلّ رباطٍ مع أيِّ إنسانٍ أو أيّ مبادئ دينيَّة أو أخلاقيَّة، إذْ تَصيرُ هذه كلِّها أمور نسبيَّة تتعلَّق بالفرد نفسه ومزاجِيَّته وأفكاره وخياراته…
* * *
مَن لا يعرف من هو الإنسان لا يستطيع أن يميِّز حقيقة الحرِّيَّة، لأنَّ الحرِّيَّة مرتبطة بالحقيقة الأنطولوجيَّة للكائن البشريّ الَّتي هي أنَّه مخلوقٌ “على صورة الله ومثاله”، أي أنَّ وجودَه وجوهره مرتبطان بالله، وأنَّه مدعو لشركة المحبَّة مع الله بملءِ حرِّيَّته، ليصير بالنِّعْمَة ما هو الله بالطَّبيعة أي إلهًا…
يُعلن سِفْرُ التَّكوين أنَّ الإنسان خُلِقَ “على صورة الله ومثاله” (تك 1: 26-27). هذه الصُّورة لا تعني التَّشابه الجسديّ، بل القدرة على العقل أي التَّمييز، والاختيار أي الحرِّيَّة، والشَّركة أي المحبَّة، بكلامٍ آخَر الاشتراك في حياة الله. مِن هنا، الإنسان ليس مجرَّد كائن بيولوجيّ، بل كائنٌ شخصيّ، قادر على الدُّخول في علاقةٍ حُرَّة مع الله والآخَرين، وهذا هو جوهر وجوده. بالمسيح، كُشِف لنا أنَّ الله ثالوث وشركة محبَّة، وأنَّ الإنسان مدعو ليَعكس هذه الشَّركة الثَّالوثيَّة في حياته، أي أن يكون كائنًا في علاقة وشركة مع الله ومع الآخَر… لذلك، خلق الله الإنسان من جسد ونفس وروح. الجسد (σῶμα – corpus) مأخوذ من تراب الأرض، ويمثِّل البُعد المادّيّ؛ النَّفْس (ψυχή – anima) هي قوَّة الحياة الَّتي تجعل الجسد حيًّا وفاعلًا؛ الرُّوح (πνεῦμα – spiritus) هو البُعد الَّذي يربط الإنسان بالله، ويجعله قادرًا على الشَّركة الرُّوحيَّة. هذه الأبعاد الثَّلاثة متمايزة لكنَّها متكاملة، وتشكِّل وحدة واحدة هي الإنسان. وخارج هذا الفهم لحقيقة الإنسان يصير هذا الأخير حيوانًا، مع عقلٍ متطوِّر، تحرِّكه الغريزة والشَّهوات والأهواء…
* * *
يا أحبَّة، الإنسان مدعو أنْ يحقِّق ذاته في الحرِّيَّة والمحبَّة، لا في الانغلاق على الذَّات، كما فعل الابن الشَّاطر الَّذي اختار نفسه فوق الكلّ وقَطَعَ كلَّ رباطٍ مع مَن أعطاه وجوده وقيمته أعني أبّا، لكنَّه بعد أنْ استسلم لشهواته ظانًّا أنّه بهذه “الحرِّيَّة” يحقِّق رجوليَّته، خسر قيمته وإنسانيَّته وحياته، وعلم أنَّه لا شيء بدون أبيه، فعاد إليه تائبًا لأنّه عرف أنّ المحبَّة غفَّارة… من هنا، الحرِّيَّة الحقيقيَّة بحسب الأرثوذكسيَّة هي الحرِّيَّة في الله، أي التَّحرُّر من الخطيئة والشَّهوات، والأنانيَّة والأهواء النَّاتجة عنها، والانفتاح على الشَّركة مع الله والآخَرين. فالغاية النِّهائيَّة هي التَّألُّه (θέωσις) أي أن يشترك الإنسان في حياةِ الله، كما يوضح ذلك الرَّسول بطرس حيث يقول: “بِهِ (أي بالمسيح) قَدْ أُعْطِيَ لَنَا الْمَوَاعِيدُ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةُ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنْ فَسَادِ الشَّهْوَةِ الَّذي فِي الْعَالَمِ” (2 بط 1 :4). وهنا تكمن عظمة الإنسان وسِرِّه، فمع أنَّه كائنٌ مَحدود وفانٍ، لكنَّه يحمل في داخله بذرة الأبديَّة لأنَّه على صورة الله. إنَّ هذا التَّوتُّر بين المحدود واللَّامحدود هو ما يُعطي للإنسان كرامته ومسؤوليَّته، ويجعله مدعوًّا إلى النُّموّ الرُّوحيّ المستمرّ لتحقيق إنسانيَّته الَّتي هي التَّشبُّه بالمسيح، والَّتي نتيجتها الاتِّحاد بالله واقتناء حياته ومجده ونوره وفرحه وسلامه وحبِّه … إلى الأبد… وهذا ما فعله الابن الشَّاطر إذ أدرك برحمة أبيه ومسامحته أنّه فقط بِمَعِيَّة أبيه يَصير سيِّدًا وحرًّا لأنَّ محبَّة الأب الرَّحيم حرّرته من كلِّ وَهْمِ حرِّيَّة وعلّمته أنّ الحرِّيَّة الكبرى هي أن تحبّ من خانك ورفضك وقطعك من حياته وهي الشِّفاء من الشَّهوات وهي المحرِّرة من الأهواء وهي المحقِّقة لدعوة الإنسان بالتَّشبُّه بالله…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما