نشرة كنيستي- الأحد قبل عيد الظُّهور الإلهيّ- العدد 1
الأحد 04 كانون الثَّاني 2026
كلمة الرّاعي
التَّجديد بالماء والرُّوح…
” المسيحُ ظهرَ مُريدًا أن يُجدِّد الخليقةَ كلَّها” (طروباريَّة تقدمة عيد الظُّهور الإلهيّ)
الحياة إمّا أن تكون تجديدًا دائمًا إمّا أن تكون مَوْتًا. الموت هو أنَّ الإنسان فقد الحركة في وجوده، ودخل في الجُمود، والجُمود رَتابة والرَّتابة انحلال وزوال… والجُمود أيضًا حركة لكن في إطار الزَّائل ومِن خلاله ولأجله. إنْ لم يتحرَّك الإنسان بالرُّوح يكون ميتًا وإنْ كان حيًّا بالجسد، فَمِقياس الحياة الحقيقيَّة هو الجِدَّة في الرُّوح وليس الحياة البيولوجيَّة. لكن، عن أي روح نتكلَّم؟!… يوجد روحان، روح الله وروح العالم أي الشِّرّير. روح العالم يحرّكنا إلى الموت، وروح الله يحرّكنا إلى الحياة الأبديَّة… على الإنسان أن يختار لينوجد في الحقّ أو في الباطل، هو يُقرِّر، لكنَّ الله منحنا كَشْفًا لِسِرِّه وتنازَل إلينا حتَّى صار أقرب إلينا مِنْ أنفسنا لكي نعرف كيف نختار ومَن نختار!…
* * *
ظهور الكلمة بالجسد، وتأنُّس ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلِّ الدُّهور بدون أمٍّ والموْلُود من البتول في “مِلء الزَّمان” من دُون أبٍ هو الكشف الإلهيّ الكامل عن سِرِّ الله الآب والابن والرُّوح القدس… عن الإله المحبَّة والشِّرْكة والوَحدة في التَّمايُز… إنَّه سرُّ الوجود ومعناه للإنسان وفيه عبر الصُّورة الإلهيَّة الَّتي خُلق الإنسان عليها… الإنسان على صورة الله، والله حياة ثابتة وأبديَّة في حركةِ حُبٍّ لانهائيَّة دائريَّة بين الأقانيم الثَّلاثة الآب والابن والرُّوح القُدس… إنَّه شركةُ حُبٍّ بلا حدود كشفها لنا الإله المتأنِّس حين أتى ليعتَمِدَ مِن يوحنَّا في الأردنّ ويدلّنا على طريق الخلاص بالتَّوبة لتلقُّف المحبَّة الإلهيَّة الَّتي للثَّالوث القُدُّوس والَّتي مُنحتْ لنا فيه… هو أتى واعتمد لأجلنا حتَّى يُعلِّمنا أنَّه علينا أن نتمَّ “كلَّ بِرٍّ” بحركة التَّوبة مِن خلال الوِلادة بالماء والرُّوح… إذْ بواسطة يسوع انحدر الرُّوح على المياه وهتف الآب مرشِدًا البشر إلى طاعة ابنه الحبيب الَّذي هو طريق الخلاص من الخطيئة والموت، ومصدر الحياة الأبديَّة…
* * *
يا أحبَّة، “بِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوح، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ” (1 تي 3: 16). هذا هو سرُّ الكلمة وابن الإله، فهو ظهر في الجسد وشُوهِد بين النَّاس الَّذين رأوه وعاينوه ولمسوه وعاشوا معه، وهم رافَقُوه في خلال عمله الخلاصيّ وشهدوا للبِرّ في الرُّوح القُدس الَّذي حقَّقه، خاصَّةً في هذا العيد إذ اعتمد، مِن عبدٍ وهو الإله، بمعموديَّة التَّوبة لغُفران الخطايا وهو البارّ والطَّاهر والَّذي لم يعرف خطيئة، ليُرشدنا إلى طريق التَّجدُّد بالرُّوح في التَّوبة والولادة الجديدة بالماء من خلال نعمته الَّتي طهَّرتْ مياه الأردنّ وقدَّستها… والماء كرمزٍ للحياة والموت، صار بالمسيح طريقًا للعُبور بالموت عن العالم فيه والولادة في الملكوت به، ومن خلاله هو تجدَّدت الخليقة كلّها بنزوله في المياه بالجسد والرُّوح، ومن خلال صليبه وقيامته بعد صعوده، حيث صار الصَّليب رمزًا للغلبة على الموت والحِقد وتجلِّيًا للحياة بالرُّوح في إماتة العالم الَّذي فينا بصلبه عليه بطاعة وصايا الرَّبّ وتحقيقًا للمحبَّة بغلبة الأنانيَّة والكبرياء فينا عبر إعطاء الذَّات في خدمة الرَّبّ في الإنسان والخليقة… المسيح منحنا فيه القدرة والقوَّة على الغلبة، فهل مَن يتلقَّف هذه الحياة الجديدة ويطلبها غالبًا هذا العالم وأهوائه بالمحبَّة في الطَّاعة للتَّمثُّل بالابن الحبيب، لنصير فيه أيضًا أبناء الله الأحبَّاء؟!…
ومن له أذنان للسَّمع فليَسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما