نشرة كنيستي- الأحد (16) من متّى (الخمس وزنات)- العدد 6
07 شباط 2021
كلمة الرَّاعي
وَزَنَاتُنَا … كيف نضاعفها؟!…
”لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ،
وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ“ (متّى 25: 29)
واهب الحياة للإنسان هو مصدر كلّ خير وصلاح، وهو قد أعطى البشـر منذ الخلق أن يكونوا على صورته. من هنا، الإنسان بطبيعته مملوء طاقات إلهيَّة بالرّوح القدس الَّذي نفخه الرَّبّ الإله يوم جبل آدم من تراب الأرض (راجع تكوين 2).
في هذا الإطار، لا بدّ من التّمييز ما بين المواهب والطّاقات الَّتي تختصُّ بالطّبيعة البشريّة بحدِّ ذاتها وبما يسكبه الرَّبّ بروحه القدُّوس من قوى إلهيَّة تجعل الإنسان شبيهًا بالله. إذًا، في الإنسان ما يرتبط بنظام الطّبيعة البشريَّة وتكوينها الفيزيزلوجيّ والنّفسـيّ، هذا من جهة، وهناك ما هو من الله الآب بالابن في الرّوح القدس، وهو ما ندعوه النّعمة الإلهيَّة.
الإنسان في المسيح، هو كائن مخلوق وإلهيّ في آنٍ معًا، لأنّه يجمع ما بين المَبْرُوءِ من العدم، وهو الجسد والنّفس، وما بين ما هو غير مخلوق المنسكب عليه من الله، وهو النّعمة الإلهيَّة. تاليًا، الإنسان غير محدود الطّاقات لأنّ ما فيه من الله غير محدود…
* * *
طاقات الإنسان أو مواهبه المتأتّية من بشريّته ترتبط بالوراثة وبالتّربية والبيئة الّتي يعيش فيها… القوى الإلهيَّة الموهوبة له من الله يأخذها كلّ مَسيحيّ بالمعموديّة المقدّسة والأسرار بعامّة. كلّ طاقات الإنسان الطّبيعيّة والإلهيّة أُعطيت له ليتشبّه بالله إذا ما نمّاها بواسطة طاعة الكلمة الإلهيَّة، أي بعيش المحبَّة الّتي علّمنا إيّاها المسيح الرّبّ: ”الَّتي لكَ وهي ممّا لكَ، فيما نحن نقِّدمها لكَ عن كلِّ شيءٍ ومن أجل كلِّ شيء إيَّاك نسبِّح إيَّاك نبارك إيَّاك نشكر يا ربّ ومنك نطلب يا إلهنا…“ (من خدمة القدّاس الإلهيّ).
”المُتاجَرة“ بالوزنات هي أن يبذل الإنسان نفسه بكلّ جوارحها في خدمة المحبَّة الإلهيَّة الّتي تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ، ولاَ تَحْسِدُ، ”ولاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوءَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ“. هـــذه اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا (أنظر: 1 كورنثوس 13: 4- 8). بالحقيقة في المحبَّة الحقيقيّة يأخذ الإنسان عندما يُعطي، وهكذا، كلّما أعطى كلّما ازداد غنًى لأنّ مصدر ثروته هو الله الَّذي نِعَمُه لا حدود لها. وكلّما طلب الإنسان أن يأخذ مقابل عطائه كلّما فرغ وافتقر، لأنّه يعطي ممّا لديه أي من خوائه. الإنسان عدم بدون الله. الإنسان يملأ الوجود إذا كان في الله. من يطلب امتلاءً من هذا العالم، عبر ما يقدّمه، سيحصل في الفراغ الكيانيّ الكلّيّ لأنّه يظنّ بأنّ ما لديه هو من نفسه، في حين أنَّ وجوده كلّه ليس منه بل هو عطيّة من الله…
* * *
أيُّها الأحبَّاء، اليوم وكلّ يوم يعطي الرَّبّ كلًّا منَّا وزنات ”عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ“ (مت 25: 15)، لأنّنا في كلّ يوم نعيشه تتجدَّد هبة الحياة لنا بمشيئة الله، ويمنحنا في كلّ يوم جديد أن ”نتاجر“ بالوزنات الطّبيعيَّة والإلهيّة الّتي يهبنا إيّاها لنضاعفها بأعمال المحبَّة الَّتي في التّوبة والتّواضع والوداعة والبِرّ الَّذي بالنّعمة، لأنّنا بدونه لا نقدر أن نصنع شيئًا صالحًا (أنظر: يوحنّا 15: 5).
كلّ إنسان لديه ما يكفيه ويناسبه من العطايا ليتشاركها مع غيره، مع الَّذين يضعهم الرّبّ في طريقه. لا أحد فقير ومُعْدَم من النِّعم إلّا من كان كسولًا وأنانيًّا. حالُ هذا حالُ البخيل القلب، أي من طرد الله من كيانه لأنّه لا يهمّه سوى أمر نفسه أو من هم له استهلاكيًّا. فلا يتذرّعنَّ أحد بأنّه لا يملك شيئًا يقدّمه للآخَر. لا يطلب الله منك إلّا ممّا هو أعطاك، أفليس رضا الله عن تجارتك ”أَنْ تَكْسِـرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ“ أي ليس فقط القمح المطحون بل كلمة الله المعزّية والمغذّية للرّوح، ”وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ“ أي الَّذين لا قلب يستقبلهم ويحنّ عليهم ويسكنهم فيه، ”إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ“ أي أن تستر عوراة وخطايا الَّذين حولك وتمنحهم الطّمأنينة ودفء الأخوّة والمساواة في الكرامة أمام الله، ”وَأَنْ لا تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ“ (أنظر: إشعياء 58: 7) أي أنّك واحد مع كلّ محتاج ومفتقِر مهما كانت ظروفه فإنْ هو ضعف فأنت تضعف وإنْ هو مرض فأنت تمرض وإنْ هو قَوِيَ فأنت تقوى والعكس صحيح. يربطنا الله ببعضنا البعض رباطًا عضويًّا لا ينفكّ بالمحبَّة الإلهيَّة الَّتي يأمرنا بها ”كلمته“ وفي جسد ابنه-الكنيسة المقدَّسة الَّتي تطال الوجود كلّه المنظور وغير المنظور…
لتزداد وزناتك يجب أن يزداد الَّذين تحبُّهم…
ومن استطاع أن يقبل فليقبل!…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما