نشرة كنيستي- الأحد قبل عيد رفع الصَّليب- العدد 36
07 أيلول 2025
كلمة الرّاعي
ميلاد والدة الإله: فجر الخلاص
في اليوم الثَّامِن من أيلول من كلِّ سنة، تحتفل الكنيسة المقدَّسة بعيد ميلاد سيِّدَتنا والدة الإله الفائقة القداسة، الَّذي يصفه القدِّيس أندراوس الكريتيّ بأنَّه “عيد الابتداء”، إذْ فيه بدأ اتِّحاد الكلمة بالجسد في التَّدبير الإلهيّ.
يعود أصل الاحتفال بعيد ميلاد والدة الإله إلى أواسط القرن الخامس الميلاديّ في أورشليم، حينما كُرِّست كنيسة على اسم والدة الإله مريم قرب البركة الغنميّة (بركة بيت حسدا). كان هذا التَّكريس حدثًا روحيًّا كبيرًا، إذ ارتبط المكان تقليديًّا ببيت يواكيم وحنَّة، والدَيْ العذراء، بحسب التَّقليد الكَنَسيّ. ومنذ ذلك الحين، بدأ المؤمنون يجتمعون سنويًّا في هذا الموضع في الثَّامِن من أيلول لإحياء ذكرى ميلادها. مع مرور الزَّمَن، انتقل العيد من أورشليم إلى سائر الكنائس الشَّرقِيَّة، ودخل رسميًّا في الرُّزنامة الكنسيَّة كأحد الأعياد السَّيِّديَّة الكبرى المرتبطة مباشرةً بِسِرِّ التَّدبير الخلاصيّ. ومن اللَّافِت أنَّ السَّنَة الطَّقسيَّة تبدأ في أوَّل أيلول، فيأتي عيد ميلاد والدة الإله كأوَّل عيد سيِّديّ في السَّنة، بينما يختمها عيد رقادها في ١٥ آب، وكأنَّ الكنيسة تقول أنَّ والدة الإله تحيط بدورة أعيادنا من بدايتها إلى نهايتها، حاملةً في أحشائها سرّ المسيح من التَّجسُّد حتَّى المجد. هذا التَّرتيب اللِّيتورجيّ ليس صدفة، بل هو تعبير لاهوتيّ–رمزيّ عميق: فكما أنَّ مريم هي بداية التَّدبير الخلاصيّ بالتَّجسُّد، هكذا أيضًا تحتضن مسيرة الكنيسة من بدايتها إلى اكتمالها في الملكوت.
* * *
يواكيم وحنّة كانا بارَّين ومع ذلك لا ولد لهما، لكنَّهما حين وصلا إلى حدود اليأس من رحمة الله استجاب الرَّبُّ صلاتهما، ورزقهما ابنةً مختارة منذ البدء لتكون أمًّا للكلمة المتجسّد، كما يقول نشيد الأناشيد: “كُلُّكِ جميلةٌ يا خليلتي ولا عيب فيك” (نش 4 :7). وتعبّر الكنيسة في طروباريَّة العيد، عن معانيه. فميلاد والدة الإله مصدر للفرح الكَوْنيّ إذْ “بشَّرَ بالفَرَحِ كلَّ المسكونةَ”، وذلك لأنّه منها “أَشرَقَ شمسُ العدْلِ المسيحُ إِلهُنا”، “فحلَّ” اللَّعنة الَّتي ورثها البشر من السُّقوط “ووهب” البركة الإلهيّة عِوَضًا عنها، “وأبطل” الموت وأباده، ولكن ليس هذا فقط بل منح البشريَّة فيه الحياة الأبديَّة وملكوت السَّماوات. مِن هنا، مريم تربط بين أسرار الميلاد والتَّجسُّد والفداء في وحدة واحدة.
في هذا الإطار، يهتف القدِّيس يوحنَّا الدِّمشقيّ في عظته حول هذا العيد: “هلمّوا أيُّها الشُّعوب من كلِّ جنسٍ ولسانٍ ورتبة، نحتفل بميلاد بهجة العالم بأسره”. وهو يرى في ميلاد مريم بداية تحقيق النُّبوءات وبزوغ نجمة الصُّبح الَّتي تبشّر بشمس العدل – يسوع المسيح، ويصفها بأنَّها “السَّماء الثَّانية” الَّتي أشرق منها شمس البِرّ. فمنذ لحظة ولادتها، بدأ الفرح السَّماويّ يقترب من الأرض، لأنَّ الله أعدَّ في شخصها الهيكل الحَيّ الَّذي سيسكن فيه.
* * *
يعلّمنا الكتاب المقدَّس أنَّ الله يهيّئ الخلاص عبر التَّاريخ بخطوات متتابعة. ميلاد مريم هو خطوة جوهريَّة في سِرِّ التَّدبير الإلهيّ، لأن منها يولد المخلّص الَّذي يخلّص شعبه من خطاياهم (مت 1:21). ويربط القدِّيس أندراوس الكريتيّ بين ميلادها وبدء اتِّحاد اللَّاهوت بالنَّاسوت، إذ بدونها ما كان يمكن للتَّجسُّد أن يتمّ لأنّ الله هكذا ارتضى. لكنّ هذا الخلاص لن يكتمل إلَّا بالصَّليب، حيث يُعلن المسيح محبَّته الكاملة للعالم (يو 3:16). قنداق العيد يربط بين هذا الميلاد وتجديد البشريَّة كلّها، لإنَّ يُواكيمَ وحنَّةَ بميلاد مريم “مِن عارِ العُقْرِ أُطلِقا”، وبالمسيح المولود منها “آدَمَ وحَوَّاءَ مِن فسادِ المَوتِ” أُعتِقا. لهذا يُعيِّدُ شعبُ الله إذ قد تحرَّر بالمولود من الَّتي وُلدت من يواكيم وحنّة من نتائج السُّقوط الأوَّل إذ تجدَّدت البشريّة في المسيح يسوع ابن المتجسِّد من البتول وظهرت الخليقة الجديدة، من خلال “والدةَ الإلهِ المُغَذِّيَةَ حياتِنا”.
لكنَّ، ميلاد والدة الإله لا ينفصل عن الصَّليب، فهو بداية المسيرة نحو الجلجثة، حيث ستقف مريم عند أقدام الصَّليب (يو 19 :25)، ناظرةً آلام ابنها من أجل خلاص العالم. وكأنَّ الكنيسة، بوضع عيد ميلادها في ٨ أيلول، تهيِّئنا روحيًا لعيد رفع الصَّليب في ١٤ أيلول، لتقول لنا: “الفرح الحقيقيّ لا ينفصل عن سِرّ الفداء، والمجد يمرّ عبر الصَّليب”، وفي هذا السِّياق، يعلّم القدِّيس نيقولا كاباسيلاس أنَّ تواضع مريم ونقاوتها جذبا الله ليحلّ فيها، وهذا التَّواضع نفسه هو الَّذي جعلها ثابتة تحت الصَّليب، مؤمنةً رغم الألم.
* * *
يا أحبَّة، الكنيسة لا تحتفل بميلاد أحد من القدِّيسين سوى الرَّبّ يسوع المسيح، ووالدة الإله مريم العذراء، ويوحنّا المعمدان، لأنَّ ولادتهم مرتبطة مباشرةً بسرِّ التَّدبير الخلاصيّ. فميلاد مريم يذكّرنا بأنَّ كلَّ حياةٍ بشريَّة مشروع قداسة، وأنَّ الله قادرٌ أن يحوّل حتّى العُقر واليأس إلى رجاء وفرح كما حصل مع يواكيم وحنّةَ بميلادها هي الَّتي صارت رمزًا لتجديد البشريَّة والحياة بالمولود منها مخلّص العالم. من هنا ارتباط العيد بالصَّليب الَّذي يعلّمنا أنَّ الفرح المسيحيّ ليس سطحيًّا، بل هو فرح الفداء والخلاص بالمصلوب، فرح من يعرف أنَّ الألم يمكن أن يصير طريقًا إلى القيامة بيسوع المسيح الرَّبّ…
في ميلاد والدة الإله، نرى يد الله الَّتي تُهَيِّئ الخلاص بصبرٍ وحكمة. وفي عيد الصَّليب، نرى اكتمال هذا الخلاص في محبَّةٍ باذِلَة حتّى الموت. من يسلك مع الله لا يخيب، لكنّه بالصَّبر في الإيمان والرَّجاء يُثمر حياةً جديدة وغلبةً على الخطيئة والموت. لذلك، فلنحتفل بالعيدَيْن معًا كمسيرةٍ واحدة: من فجر النِّعْمَة في بيت يواكيم وحنّة، إلى شمس الخلاص على جبل الجلجثة. ولنرفع مع العذراء أنظارنا إلى ابنها المصلوب، قائلين: “تعظّم نفسي الرَّبَّ وتبتهج روحي بالله مخلِّصي” (لو 1:46)، ولننظر قبره الفارغ معها ومع النِّسوة حاملات الطِّيب والرُّسُل عالمين أنَّ قبور يأس هذا العالم قد اُفرغَت بالمسيح الغالب على الصَّليب والمولود من فتاة الله المختارة مريم الَّتي صارت أمّ الله… وأنَّ فجر الحياة الجديدة قد بزغ اليوم…
ومن له اذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما