Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (11) بعد العنصرة- العدد 34

الأحد 24 آب 2025

كلمة الرّاعي 

معيشة خدّام الرَّبّ: بين البذل والدَّعم

“مَنْ تَجَنَّدَ قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟ وَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى رَعِيَّةً وَمِنْ لَبَنِ الرَّعِيَّةِ لاَ يَأْكُلُ؟” (1 كو 9: 7)

عمومًا، ينتظر النَّاس من الكنيسة ومن خدّامها أن يُعطوا ويبذلوا ويضحّوا ويعيشوا ببساطة وأن يكونوا نموذجًا للإيمان والتَّقوى والتّقشّف حتّى لا يكونوا عثرة للمؤمنين، هذا من جهة. من جهةٍ أخرى قلّة من المسيحيّين يرَون أنّ لهم واجبًا ودورًا في دعم حاجات الكنيسة وخدّامها.

في قلب الرِّسالة الرَّسُولية إلى أهل كورنثوس، يطرح القدِّيس بولس سؤالًا يحمل في طيّاته منطقًا روحيًّا وإنسانيًّا عميقًا:  “مَنْ تَجَنَّدَ قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟ وَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى رَعِيَّةً وَمِنْ لَبَنِ الرَّعِيَّةِ لاَ يَأْكُلُ؟”(1 كورنثوس 9: 7). بهذه الكلمات، يُسلِّط الرَّسُول الضَّوْء على حقّ خدّام الإنجيل في أن يُعانوا من الجماعة الَّتي يخدمونها، لا كامتيازٍ دنيويّ، بل كجزءٍ من نظامٍ إلهيّ متوازن يربط بين الخدمة والدَّعم، بين البذل والتَّقدير.

خُدّام الرَّبّ، من أساقفة وكهنة وشمامسة ومكرَّسين، هم جنود في جيش المسيح، يغرسون الكروم الرُّوحيَّة ويرعون النُّفوس، لا طلبًا للرِّبح المادِّيّ بل لاقتناء النِّعْمَة الإلهيَّة وملكوت السَّماوات حبًّا بالرَّبّ وبِشعبه. فَهُم تكرَّسوا انطلاقًا من محبَّتهم لله ولكنيسته وسَعْيًا إلى تقديس حياتهم بخدمة الرِّعاية والمحبَّة الَّتي اصطفاهم الله لها. ليسوا هم اختاروا التَّكريس أوَّلًا بل هم تقبَّلوا دعوة الله لهم واختياره إيَّاهم، هم تجاوَبُوا مع نداء محبّته، “يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟ˁ قَالَ لَهُ: ˀنَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَˁ. قَالَ لَهُ: ˀارْعَ خِرَافِي” (يو 21: 15)؛ ومع ذلك، لا ينبغي أن تُفْهَمَ حياة البذل المطلوبة منهم على أنّها واجب للعيش بالحرمان أو الإهمال. فالكنيسة الأولى كانت واضحة في دعم خدّامها:  “هكذا أيضًا أمر الرَّبُّ: أنَّ الَّذين ينادون بالإنجيل، من الإنجيل يعيشون” (1 كورنثوس 9: 14).

*             *             *

يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم: “إنْ كان الكاهن يكَرِّس حياتَه للرَّبّ، فمن واجب الشَّعب أن يكرِّس جزءًا من حياته لدعمه، لا كصدقةٍ، بل كواجبٍ روحيّ”.  ويُضيف في موضِعٍ آخَر:  “لا يُطلب من الكاهن أن يعيش في ترف، بل في كرامة، تحفظ له القدرة على الخدمة دون أن يُثقل بالهموم المادِّيَّة”. فالأسقف أو الكاهن أو الشَّمّاس أو المكرَّس لا يمكنه أن يخدم بفرح إن كان مُهمَلًا من الرَّعيَّة ومحتاجًا غير قادر أن يكفي من له، والرَّسُول يعقوب واضح في هذ المسألة حين يقول: “إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: ˀامْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَاˁ وَلكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟” (يع 2: 15 و16). فالمؤمن مسؤول وعليه واجبٌ إيمانيّ أن يُشارك خيرات الله مع المحتاج ومع خدّام الكلمة ليتكامل عمل أعضاء جسد المسيح الواحد ويكون الجسد صحيحًا وفعّالًا. وهذا ما يعلّمه القدِّيس باسيليوس الكبير، إذ يكتب: “من يزرع الرُّوحيَّات، لا يُحرَم من الجسديَّات، لأنَّ الجسد أيضًا يحتاج إلى ما يُقيمه ليخدم الرُّوح”.

*             *             *

يا أحبَّة، من جهةٍ، ينتظر المؤمنون من خُدَّام الكنيسة أنْ يَكُونوا مِثالًا في البَساطَة والتَّقوى، وأن لا يتشبَّهوا بعالمٍ يَسعى وراء المظَاهِر. وهذا حَقّ وهذا جزءٌ من شهادتهم للرَّبّ. لكن من جهةٍ أخرى، لا ينبغي أن يُترَك الخادم في عَوَزٍ أو يُحمَّل فوق طاقته، وكأنّ خدمته تُكافَأ بالإهمال. فالمعيشة الكريمة ليست نقيضًا للتَّقوى، بل وسيلة لدَعْمِها. الكنيسة ليست فقط جسدًا روحيًّا، بل أيضًا جماعة حَيَّة تتشارك في المسؤوليَّات. دعم خدّام الرَّبّ هو تعبير عن الشُّكر، عن الانتماء، وعن الإيمان بأنَّ الخدمة لا تُثمِر إلَّا إذا سُقيت بالحُبّ العَمَليّ.  وهذا الحُبّ مطلوب من الرَّاعي للرَّعيَّة ومن الرَّعيَّة للرَّاعي حبًّا بالرَّبِّ وطاعةً وتمجيدًا له.

يقولُ القدِّيس إيرينياوُس أسقف لِيُون: “كما أنَّ الجسد لا يَحْيَا بِلا دَم، كذلك الكنيسة لا تَحيا بلا خدمة، والخدمة لا تُثمِر بلا دعم”. إنَّ خُدَّام الرَّبّ ليسوا موظَّفين، بل هم أعضاءٌ حَيَّة في جسد المسيح دورها أن تضخّ الرُّوح في الجسد وتبعث فيه دفء الإيمان. دورهم أن يُضَحُّوا بوقتهم وراحتهم من أجل خلاص النُّفوس، فهذه مسؤوليَّتهم أمام الله وسيُحاسَبون على مدى إتمامهم لهم وجدّيَّتهم فيها وثمارهم منها. أمّا جماعة المؤمنين، فهم شركاء في هذه الرِّسالة والخدمة، لا بالتَّصفيق فقط، بل بالدَّعم، بالصَّلاة، وبالاهتمام العَمَليّ الَّذي هو ترجمة لعيشهم كهنوتهم الملوكيّ الَّذي هو شكر الله وتمجيده في حياتهم وإيمانهم ومشاركتهم بركات الرَّبّ عليهم إذ بواسطتها يَردُّون لله الشُّكر من خلال بواكير ثمارهم الرُّوحيّة والعمليَّة، وهو يفيض عليهم نعمه أضعافًا مضاعفة.

هكذا تُبنى الكنيسة، بروح الشَّركة والوَحدة العمليَّة على أكتاف الجميع، كلٌّ بحسب نعمته ودوره في جسد المسيح – الكنيسة.

ومن له أذُنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة